روى الشيخ الصدوق في كتابه عيون أخبار الرضا، عن الإمام الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب الناس ذات يوم معلناً اقتراب شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة. ووصف النبي هذا الشهر بأنه أفضل الشهور عند الله، وأيامه ولياليه وساعاته هي الأفضل على الإطلاق، فهو الوقت الذي دعي فيه المؤمنون إلى ضيافة الله وجعلوا فيه من أهل كرامته.
وتتجلى ميزات هذه الضيافة في أن أنفاس الصائمين تُعد تسبيحاً، ونومهم عبادة، وأعمالهم مقبولة، ودعاءهم مستجاب. لذا، دعا النبي الكريم المسلمين إلى سؤال الله بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقهم لصيامه وتلاوة كتابه، محذراً من أن الشقي الحقيقي هو من يُحرم غفران الله في هذا الشهر العظيم. كما نبه إلى ضرورة تذكر جوع وعطش يوم القيامة من خلال تجربة الجوع والعطش في نهار الصيام.
[اشترك]
دستور الأخلاق والترابط الاجتماعي
لم تقتصر الوصايا النبوية على الجوانب العبادية المحضة، بل امتدت لتشمل صياغة سلوك اجتماعي متكامل؛ حيث حث النبي على التصدق على الفقراء والمساكين، وتوقير الكبار، والرحمة بالصغار، وصلة الأرحام. وإذا كانت هذه التعاليم تمثل جوهر الإسلام طوال العام، فإن التقصير فيها خلال شهر رمضان يعد أمراً غير مقبول، نظراً لمضاعفة الثواب فيه.
وفيما يخص صلة الأرحام، شدد النبي على أهميتها القصوى، فالمؤمن الحقيقي لا يسمح لنفسه أن يكون قاطعاً للرحم حتى وإن كان الطرف الآخر هو المخطئ. وتتعدد وسائل الوصل في عصرنا الحالي لتشمل الزيارة المباشرة، أو الاتصال الهاتفي، أو حتى إرسال رسالة نصية للمباركة بالشهر، فهذه الخطوات البسيطة تبرئ ذمة الإنسان أمام الله وتجعله في زمرة الواصلين، بينما يتحمل الطرف الممتنع مسؤولية القطيعة وحده.
سلاح اللسان وعفة السمع والبصر
وضع النبي يده على أحد أهم مواضع التحدي الأخلاقي بقوله: "واحفظوا ألسنتكم". ويعد شهر رمضان الفرصة المثالية لضبط اللسان والابتعاد عن الفحش والسباب والكلمات النابية التي قد تصدر من البعض في لحظات الغضب أو الجدال، خاصة في النقاشات الحادة. فالمؤمن، وإن كان محافظاً على صلاته وصومه، ملزم باختيار كلماته بعناية فائقة وتجنب كل ما يخدش الحياء أو يؤذي الآخرين.
كما تضمنت الخطبة دعوة لغض الأبصار عما لا يحل النظر إليه، وكف الأسماع عما لا يحل الاستماع إليه. ومن ذلك ضرورة الابتعاد عن الغناء الذي قد يسلب البركة من البيوت ويجلب المشاكل، وفق ما تشير إليه بعض الروايات بأن بيت الغناء لا تُؤمن فيه الفجيعة. ويقع على عاتق الوالدين مسؤولية توجيه الأبناء وتربيتهم على تجنب المحرمات السمعية بالكلمة الطيبة والتدريج، ليكون رمضان فرصة حقيقية لترك الآثام.
التحنن على الأيتام وفلسفة العطاء
أكد النبي على قيمة التحنن على أيتام الناس كضمانة إلهية للرحمة بأيتامنا من بعدنا، فالعمار بيد الله، ولا أحد يضمن بقاءه لأهله وأولاده. إن كفالة اليتيم، سواء كانت كلية أو جزئية، تترك أثراً دنيوياً قبل الأجر الأخروي، حيث يسخر الله للأب الذي رحم أيتام غيره من يرحم ذريته ويحنو عليهم. فالله عز وجل كريم، يعطي العبد أكثر مما قدم، ويجازي الإحسان بإحسان أعظم منه.
ساعات استجابة الدعاء وأثر الصلاة
دعا الرسول الأكرم إلى رفع الأيدي بالدعاء، وتحديداً في أوقات الصلوات؛ لأنها أفضل الساعات التي ينظر الله فيها بالرحمة إلى عباده، فيجيب مناجاتهم ويلبي نداءهم. وقد أقسم الله عز وجل بعزته ألا يعذب المصلين والساجدين، وألا يروعهم بالنار يوم القيامة. وهذا القسم الإلهي يمنح المؤمن طمأنينة كبرى بأن ركوعه وسجوده هما حصنه من عذاب الله.
فضل إطعام الصائمين وجبر الخواطر
فتح النبي باباً عظيماً للثواب من خلال الحث على تفطير الصائمين؛ فمن فطر صائماً مؤمناً كان له ثواب عتق رقبة ومغفرة لذنوبه الماضية. وحينما تساءل البعض عن عدم قدرتهم المادية على توفير وجبات متكاملة، أجاب النبي برحمة: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، اتقوا النار ولو بشربة من ماء". فالله يهب هذا الأجر العظيم لمن قدم اليسير إذا كان عاجزاً عن الكثير؛ مما يجعل شهر رمضان فرصة ذهبية للجميع لاستثمار الخير بكل وسيلة ممكنة.
حسن الخلق والرفق بالعمال
ربطت الخطبة النبوية بين حسن الخلق والنجاة يوم القيامة، فمن حسن خلقه في هذا الشهر، ملك جوازاً للمرور على الصراط يوم تزل فيه الأقدام. فالابتسامة في وجوه المؤمنين وضبط النفس عند الغضب هما عملان بسيطان في ظاهرهما، لكن أثرهما الأخروي هائل.
كما دعت الوصايا إلى التخفيف عما "ملكت اليمين"، وهو ما يمكن تطبيقه في عصرنا على العمال المنزليين والسائقين. فتقليل ساعات العمل وتخفيف الأعباء عن هؤلاء الضعفاء خلال شهر رمضان هو سبب لتخفيف الله حساب العبد يوم القيامة. فمن أراد حساباً يسيراً وسهلاً، عليه أن يكون رفيقاً بمن يعملون تحت سلطته وإدارته.
مضاعفة الأجور وقيمة التلاوة
تميزت الخطبة بالتأكيد على مضاعفة الثواب في شهر رمضان؛ فمن أدى فيه فرضاً كان كمن أدى سبعين فريضة في غيره من الشهور. ومن أكثر فيه من الصلاة على محمد وآل محمد، ثقل الله ميزانه يوم تخف الموازين. أما تلاوة القرآن، فلها شأن عظيم، إذ إن تلاوة آية واحدة تعادل ختمة كاملة في بقية الشهور، مما يبرز الكرم الإلهي اللامتناهي في هذا الوقت من العام، حيث يمكن لثوانٍ معدودة من القراءة أن تمنح العبد أجر ختمات طوال.
ذروة العبادة: الورع والترك قبل الفعل
في ختام الخطبة، سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سؤالاً بحثاً عن الأفضل على الإطلاق: "يا رسول الله، ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟". فأجابه النبي: "يا أبا الحسن، أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله".
وهنا يضع النبي القاعدة الذهبية، فبقدر عظمة الصلاة والصدقة والتلاوة، يبقى ترك الذنوب والمعاصي هو الأولوية القصوى والأفضل رتبة. فمن استطاع الإقلاع عن ذنب معين والورع عن محارم الله خلال رمضان، فقد حقق أكبر مكسب ممكن، والجمع بين ترك المعصية والالتزام بالمستحبات هو النور الكامل الذي يخرج به المؤمن من هذا الشهر بصفحة بيضاء.
مقتطف من محاضرة لسماحة السيد حسين شبّر، حررها وقررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي










