المعاد

هل يسمعنا الموتى؟!

كثيراً ما يثار الجدل حول مسألة التوسل بالأولياء والأنبياء وسماع الموتى في العقيدة الإسلامية. هنا في هذا المقال نسلط الضوء على هذه المسائل من منظور إسلامي استناداً إلى النصوص القرآنية والروايات المعتبرة.

يعتقد المسلمون جميعاً أن سؤال الله تعالى هو الأساس في استغاثاتهم وحاجاتهم، وذلك لأن الله وحده يملك مفاتيح كل شيء، وله السلطان المطلق على كل ما يقع في الكون من خير أو شر.

يتجلى هذا في قوله تعالى: "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ"، مما يؤكد أن الله تعالى هو المبدع والمدبر لكل شيء.

[اشترك]

وقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام قوله: "كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: لا يجد عبدٌ طعم الإيمان حتى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأنَّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنَّ الضار النافع هو الله عزّ وجلّ".

الله تعالى هو المانح للمنفعة والضرر، حيث إن كل نفع وضرر هو بتقديره تعالى حتى وإن كان بواسطة غيره. النفع والضرر الحقيقيان منه مباشرة، أما الضرر اليسير الواقع بواسطة الغير والذي يعقبه جزاء وفير في الآخرة فلا يعد ضرراً حقيقياً بل نسبياً.

كذلك، المنافع الدنيوية الفانية إذا كانت مصحوبة بعقوبات أخروية فهي في جوهرها ضرر. وبصورة عامة، كل نفع وضرر يُعتد بهما يكونان من عند الله تعالى، وكل ما يحدث بواسطة غيره يكون إما بتوفيقه أو بخذلانه.

الأسباب والعلل التي نراها في الظواهر الطبيعية ما هي إلا وسائل تُستخدم لتحقيق مشيئة الله، فهي تعمل كأدوات لتنفيذ إرادته، وليس لها قدرة مستقلة بذاتها. هذا يوضح أن لكل ظاهرة طبيعية أساساً إلهياً يكمن وراءها تحت إشراف الله تعالى.

العلم بالنظام الكوني وقوانينه لا يتعارض مع الاعتقاد بالسلطان الإلهي المطلق، بل يظهر أن الله تعالى يدبر شؤون خلقه باستخدام هذه الأسباب التي تبدو كقوى مستقلة لكنها في الحقيقة مجرد أدوات لتحقيق مشيئته.

من الأسباب التي يعتمدها المسلمون في دعائهم طلبهم من الله تعالى أن يستجيب لمطالبهم بحق أوليائه وأنبيائه، مشيرين إلى مكانتهم وكرامتهم عنده. لذا يكون دعاؤهم: "أسألك بحق نبيِّك وأوليائك أنْ تقضي حاجتي".

يستند هذا النهج إلى حديث أنس بن مالك عند وفاة فاطمة بنت أسد أم علي، حيث قال النبي صلى الله عليه وآله: "الله الذي يحيي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقّنها حجّتها، ووسّع عليها مُدخَلَها بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي، فإنّك أرحم الراحمين".

في المقابل، شدد ابن تيمية على رفع اليدين مباشرة بالدعاء إلى الله تعالى دون استخدام وسائط. وحسب رأيه، فإن الوساطة بين العبد وخالقه تعتبر شركاً أو بدعة في الدين.

سماع الموتى: فهم الآية الكريمة

[اشترك]

الآية الكريمة: "وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ" تحتاج إلى تفسير دقيق.

هذه الآية تتحدث عن المفاضلة بين المؤمن والكافر، حيث تشير كلمة "الأحياء" إلى المؤمنين الذين يملكون حياة معنوية وروحية، بينما تشير كلمة "الأموات" إلى الكافرين الذين ماتت قلوبهم روحانياً.

التعبير "وما أنت بمسمعٍ من في القبور" كناية عن عدم تأثير دعوة النبي صلى الله عليه وآله في قلوب الكافرين الميتة بسبب كفرهم وعنادهم، وليس عن عدم قدرة الموتى الحقيقية على السماع.

يقول العلامة الطباطبائي: "وما يستوي الأحياء ولا الأموات تمثيلات للمؤمن والكافر... إن الله يسمع من يشاء وهو المؤمن كان ميتاً فأحياه الله فأسمعه لما في نفسه من الاستعداد... وما أنت بمسمع من في القبور أي الأموات، والمراد بهم الكفار المطبوع على قلوبهم".

أدلة سماع الموتى

سماع الموتى يعني قدرة الأموات في عالم البرزخ على سماع أصوات الأحياء في عالم الدنيا. قبول هذه المسألة يتوقف على الإيمان بالحياة البرزخية وأن حقيقة الموت ليست انعدام الشيء بل الانتقال من عالم إلى آخر.

هناك آيات قرآنية تفيد أن الموتى يسمعون في بعض الحالات:

  1. 1. "وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ" [السجدة: 12]. هذه الآية تدل على أن الموتى يُعاد إليهم السمع والبصر في ظروف خاصة.
  2. 2. "فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ" [ق: 22]. يوم القيامة يُعاد للإنسان إدراكه الكامل بعد الموت.
  3. 3. "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ" [البقرة: 243]. هذا يدل على أن الله يستطيع أن يعيد السمع والبصر للأموات وقتما يشاء.

أما من السنة النبوية، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وآله خاطب قتلى المشركين في بدر قائلاً: "هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟" وعندما سأله عمر: "يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟" أجاب: "والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم".

[اشترك]

وفقاً للمذهب الشيعي، الموتى يعيشون في حياة البرزخ، وهي حياة تختلف عن حياتنا الدنيوية. للموتى إدراك خاص بها، وعدم سماعنا لهم لا يعني أنهم لا يسمعوننا.

قال الصدوق: "اعتقادنا في المسألة في القبر أنها حق لا بد منها، ومن أجاب الصواب، فاز بروح وريحان في قبره، وبجنة النعيم في الآخرة، ومن لم يجب بالصواب، فله نزل من حميم في قبره، وتصلية جحيم في الآخرة".

الروايات الصريحة تؤكد أن زيارة القبور والدعاء عندها يسمعها الموتى وينتفعون بها. فقد سأل محمد بن مسلم الإمام الصادق عليه السلام: "الموتى نزورهم؟" فقال: "نعم". قلت: "فيعلمون بنا إذا أتيناهم؟" فقال: "إي والله إنهم ليعلمون بكم ويفرحون بكم، ويستأنسون إليكم".

وصفوة القول: الميت لا يضر ولا ينفع بذاته، بل كل شيء بيد الله تعالى. ما يُنسب للموتى من تأثير - كشفاعة الصالحين أو دعاء المظلوم - هو بإذن الله تعالى وليس بقدرتهم الذاتية.

الآية المذكورة لا تدل على نفي سماع الموتى مطلقاً، بل تتحدث عن الكافرين الذين ماتت قلوبهم عن الحق. وهناك آيات وأحاديث كثيرة تؤكد سماع الموتى في سياقات معينة، مما ينسجم مع الاعتقاد الصحيح بأن الموتى في عالم البرزخ لهم إدراك وروحانية خاصة.

زيارة القبور وطلب الشفاعة عند الأولياء أمر مشروع ومسنون في الفكر الإسلامي، ولا يتعارض مع النصوص القرآنية.

2025/05/13
الرحلة المجهولة: ماذا يحدث للإنسان بعد الموت؟!

بعد أن انتهى الآن من دفن أبيه الذي توفيّ ليلة أمس، وقف وليد حائراً أمام سؤال قفز أمامه وهو ينظر إلى أكوام التراب التي تجمّعت فوق جثمان والده.

[اشترك] 

توجّه مباشرة إلى أحد رجال الدين الذي كان يتواجد بالقرب من الجنازة وسأله: "يا سيدي، لطالما شغلني سؤال: ما مصير من يتبعون الأئمة بعد موتهم؟ هل يبقون في قبورهم أم يحيون حياة أخرى قبل يوم القيامة؟" تنهّد رجل الدين وأجاب: "يا بني، إن للمكلفين من رعايا الأئمة عليهم السلام بعد الوفاة أحوالاً مختلفة، وهم على أربع طبقات."

الطبقات الأربع لرعايا الأئمة بعد الوفاة

أقول: إن المكلفين من رعايا الأئمة عليهم السلام بعد الوفاة ينقسمون إلى أربع طبقات:

الطبقة الأولى: المنعَّمون في الجنان

طبقة يحييهم الله عز وجل بعد موتهم ويسكنهم مع أوليائهم في الجنان. وهم المستبصرون في المعارف (الذين أدركوا الحقائق الدينية)، المتمحضون للطاعات (المخلصون في عباداتهم).

الطبقة الثانية: المعذَّبون في محل الهوان

طبقة يحيون بعد موتهم ويُلحقون بأئمتهم في محل الهوان. وهم المعاندون للحق، المسرفون في اقتراف السيئات.

الطبقة الثالثة: المشكوك في حياتهم

طبقة أقف فيهم وأجوّز حياتهم وأجوّز كونهم على حال الأموات. وهم الفاسقون من أهل المعرفة والصلاة، الذين اقترفوا الآثام على التحريم لها، للشهوة دون العناد والاستحلال، وسوّفوا التوبة منها فاخترموا (ماتوا) دون ذلك.

فهؤلاء جائز من الله عز وجل اسمه:

- رفع الموت عنهم لتعذيبهم في البرزخ على ما اكتسبوه من الإجرام

- تطهيرهم بذلك منها قبل الحشر ليردوا القيامة على الأمان من نار جهنم

- ويدخلوا بطاعتهم الجنان

وجائز أيضاً:

- تأخير حياتهم إلى يوم الحساب لعقابهم هناك أو العفو عنهم كما يشاء الله عز وجل

وأمرهم في هذين القسمين مطوي عن العباد.

الطبقة الرابعة: من لا يحيون حتى النشور

طبقة لا يحيون بعد الموت حتى النشور والمآب. وهم المقصرون عن الغاية في المعارف عن غير عناد، والمستضعفون من سائر الناس.

مصدر هذا التقسيم ومنهجه

وهذا القول على الشرح الذي أثبتُّ هو مذهب نقلة الآثار من الإمامية، وطريقه السمع وصحيح الأخبار، وليس لمتكلميهم من قبل فيه مذهب مذكور.

2025/04/22
بين الموت والقيامة.. ما لا تعرفه عن عالم «البرزخ»!

تخيل أنك تقف أمام بحرين عظيمين، أحدهما عذب فرات والآخر ملح أجاج. يلتقيان دون أن يختلطا، وبينهما حاجز لا يُرى بالعين، لكن أثره واضح في فصل المياه. هكذا بالضبط تصور لنا الآيات القرآنية مفهوم "البرزخ" - ذلك العالم الذي يفصل بين حياة الإنسان في الدنيا وحياته في الآخرة.

[اشترك]

لكن ما حقيقة هذا العالم الذي نسمع عنه في المساجد والمجالس، ويثير في نفوسنا مزيجاً من الرهبة والفضول؟ وكيف وصفته النصوص الإسلامية؟ وما الذي ينتظرنا فيه؟

المعنى اللغوي والقرآني للبرزخ

لفهم المعنى الاصطلاحي للبرزخ في الدين، علينا أولاً معرفة أصله اللغوي. عند الرجوع إلى المعاجم، نجد أن "البرزخ" هو الحاجز بين شيئين، والمانع من اختلاطهما وامتزاجهما¹. وهو تعبير دقيق يصف طبيعة هذا العالم الفاصل بين النشأتين.

البرزخ في القرآن الكريم

ورد ذكر البرزخ في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع، كلها تؤكد المعنى السابق:

  1. قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾².
  2. وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾³.
  3. وقال عزّ من قائل: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾⁴.

في الآيتين الأوليين، استُخدمت الكلمة بمعناها المباشر كحاجز بين بحرين. أما في الآية الثالثة، فقد استعملها القرآن للإشارة إلى عالم آخر يفصل بين الدنيا والآخرة يمر به الإنسان بعد موته.

البرزخ في الأحاديث الشريفة

تؤكد الأحاديث النبوية الشريفة وروايات أهل البيت عليهم السلام أن "البرزخ" هو الفترة الزمنية الفاصلة بين حياة الإنسان في الدنيا وبعثه يوم القيامة. من هذه الأحاديث:

  1. عن عمرو بن يزيد قال: سألت الإمام الصادق (عليه السلام): "وما البرزخ؟" فأجاب: "القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة"⁵.
  2. وقال الإمام الصادق (عليه السلام) أيضاً: "البرزخ: القبر، وهو الثواب بين الدنيا والآخرة"⁶.

استمرارية الحياة بعد الموت

تقدم الرؤية الإسلامية تصوراً مختلفاً عن الموت، فهو ليس نهاية للحياة، بل مجرد انتقال من نشأة إلى أخرى. الإنسان ينتقل بواسطة الموت من حياة دنيوية إلى حياة برزخية تتوسط بين عالمي الدنيا والآخرة.

غموض التفاصيل

رغم وضوح وجود عالم البرزخ، إلا أن تفاصيل هذا العالم تبقى غامضة نسبياً. ما نعرفه عنه محدود بما ورد في النصوص الدينية من القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، والتي يمكن تلخيصها فيما يلي:

مراحل الحياة البرزخية

بداية الحياة البرزخية ونهايتها

تبدأ الحياة البرزخية من لحظة قبض روح الإنسان وإيداع جسده في القبر، وتستمر حتى قيام الساعة ويوم البعث. فهي مرحلة انتقالية بين الحياتين.

سؤال القبر

ما أن يودع الميت في قبره حتى يأتيه الملكان منكر ونكير ويسألانه. فإذا كان صالحاً، أُكرم وأُنعم، وإن كان طالحاً، عُذّب وأُهين.

حال الكافرين والمجرمين في البرزخ

يصف القرآن الكريم حال آل فرعون في البرزخ بقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾⁷. فهم يُعرضون على النار صباحاً ومساءً قبل يوم القيامة، وبعدها يُقحمون فيها.

حال الشهداء في البرزخ

أما الشهداء، فحالهم مختلف تماماً، إذ يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾⁸. ويصف حالهم بأنهم ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾⁹.

العلاقة بين عمل الإنسان وحاله في البرزخ

تتناسب حالة الإنسان في البرزخ مع عمله في الدنيا. فإن كان صالحاً، كانت حياته البرزخية طيبة، وإن كان فاسداً، كانت قاسية. وإلى ذلك أشار الإمام الصادق (عليه السلام): "إِنَّ لِلْقَبْرِ كَلَاماً فِي كُلِّ يَوْمٍ، يَقُولُ أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ، أَنَا بَيْتُ الْوَحْشَةِ، أَنَا بَيْتُ الدُّودِ، أَنَا الْقَبْرُ، أَنَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ"¹⁰.

النعيم والعذاب البرزخي مقارنة بالآخرة

رغم أهمية النعيم الذي يعيشه المؤمنون في البرزخ، وكونه من جنس نعم الجنة، إلا أنه لا يصل إلى مستوى نعيم الآخرة. وبالمثل، فإن عذاب العصاة والكافرين في البرزخ، رغم شدته، يبقى أقل بكثير مما سيواجهونه في نار جهنم يوم القيامة.

السفر نحو المجهول

البرزخ محطة انتقالية في رحلة الإنسان الأبدية، ليست نهاية المطاف، بل مرحلة مؤقتة نحو المصير النهائي. وكما أن المسافر يُعد عدته للرحلة، فعلينا الاستعداد لهذه المرحلة بالعمل الصالح والتقوى، لتكون روضة من رياض الجنة، لا حفرة من حفر النار.

---

الهوامش:

  1. يراجع: المقاييس: 1/333، ولسان العرب: 3/8، لجمال الدين أبو الفضل، المشتهر بابن منظور المصري، المولود سنة: 630 هجرية بمصر، والمتوفى بها سنة: 717 هجرية، الطبعة الثالثة، سنة: 1414 هجرية، دار صادر، بيروت/لبنان.
  2. القرآن الكريم: سورة الرحمن (55)، الآية: 19 و20، الصفحة: 532.
  3. القرآن الكريم: سورة الفرقان (25)، الآية: 53، الصفحة: 364.
  4. القرآن الكريم: سورة المؤمنون (23)، الآية: 100، الصفحة: 348.
  5. الكافي: 3/242، للشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني، الملقب بثقة الإسلام، المتوفى سنة: 329 هجرية، طبعة دار الكتب الإسلامية، سنة: 1365 هجرية/شمسية، طهران/إيران، وبحار الأنوار (الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (عليهم السلام)): 6/267، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي، المولود بأصفهان سنة: 1037، والمتوفى بها سنة: 1110 هجرية، طبعة مؤسسة الوفاء، بيروت/لبنان، سنة: 1414 هجرية.
  6. بحار الأنوار (الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (عليهم السلام)): 6/218، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي، المولود بإصفهان سنة: 1037، والمتوفى بها سنة: 1110 هجرية، طبعة مؤسسة الوفاء، بيروت/لبنان، سنة: 1414 هجرية.
  7. القرآن الكريم: سورة غافر (40)، الآية: 46، الصفحة: 472.
  8. القرآن الكريم: سورة البقرة (2)، الآية: 154، الصفحة: 24.
  9. القرآن الكريم: سورة آل عمران (3)، الآية: 170، الصفحة: 72.
  10. الكافي: 3/242.
2025/04/01
هل يستطيع العقل إثبات وجود الآخرة؟!

جلس محمد في مكتبته الصغيرة، يقلب صفحات كتاب في العقيدة الإسلامية. كان طالباً في كلية العلوم الطبية بجامعة كربلاء، وقد كُلف من قبل أحد زملائه بالإجابة عن "أدلة الإيمان بالآخرة". أخذ يفكر في المنهجية التي سيتبعها في الإجابة: هل يركز على الأدلة العقلية أم النقلية؟ وهل يمكن للعقل وحده أن يثبت وجود الآخرة بتفاصيلها؟

[اشترك]

راودته أسئلة كثيرة: إذا كان الله عادلاً، فلا بد من وجود آخرة للثواب والعقاب... لكن هل هذا الاستدلال العقلي كافٍ لإثبات تفاصيل الجنة والنار والصراط والميزان؟

قرر محمد أن يبحث عن إجابة واضحة لسؤاله المحوري: "هل ثبتت الآخرة بالعقل أم بالأدلة السمعية كالآيات والروايات؟"

بعد ساعات من البحث، وقع نظره على كتاب "مختصر مفيد.. أسئلة وأجوبة في الدين والعقيدة" للسيد جعفر مرتضى العاملي. تصفح الفهرس بسرعة حتى وجد سؤالاً مطابقاً تماماً لما يبحث عنه. فتح الصفحة وبدأ يقرأ الإجابة التي قدمها السيد العاملي:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطاهرين.. وبعد..

إن العقل.. وإن كان قد يدرك لزوم الجزاء على الأعمال بمثوبة المحسن، وعقوبة المسيء.. ليتحقق بذلك العدل، ولا يكون هناك ظلم.

ولكن العقل لا يحدد متى يكون هذا الجزاء، في الآخرة أو في الدنيا، أو في البرزخ، لا يحدد طبيعته، وأساليبه، وكيفياته.. فلا بد من الرجوع في ذلك كله إلى الشرع، فالصادق المصدق هو الذي أخبرنا بوجود برزخ وآخرة.. وحشر ونشر، وجنة ونار، وميزان، وصراط، وحور عين.. وحوض الكوثر.. وغير ذلك..

مصدر الجواب (بتصرّف): مختصر مفيد.. (أسئلة وأجوبة في الدين والعقيدة)، للسيد جعفر مرتضى العاملي

2025/03/27
هادم اللذّات: لماذا خُلق الموت؟!

وقف أحمد مطرقاً أمام قبر والده الذي فارق الحياة بالأمس. كانت دموعه تسيل بصمت والأفكار تتزاحم في رأسه. "لماذا يموت الإنسان؟" سؤال ظل يتردد في ذهنه كالصدى. بينما هو غارق في أفكاره، اقترب منه شيخ كبير، ربت على كتفه وقال: "يا بني، أتعلم أن الموت ليس نهاية بل بداية؟" استغرب أحمد هذا الكلام، فكيف يكون الفناء بداية؟ ابتسم الشيخ وجلس بجانبه ليحكي له حكمة لم يسمعها من قبل:

[اشترك]

الموت: انتقال لا فناء

إن الموت في نظر الناس فناء وعدم وصيرورة إلى التراب، ولكن القرآن يقدم لنا منظوراً مختلفاً تماماً. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، ذاكراً الموت قبل الحياة رغم أن الحياة واضح أنها مخلوقة. وفي هذا إشارة إلى أن الموت أشرف من الحياة، فهو ليس نهاية المطاف بل انتقال للثمرة والجزاء.

لنتأمل معاً: أيهما أحب للطالب الذي بذل جهده في الدراسة؟ ساعة الامتحان وقاعة الاختبار الصعبة، أم لحظة استلام الشهادة وأخذ الجائزة من الأستاذ والمربي؟ الجواب واضح بالطبع.

وهكذا، فإن الموت بالنسبة للمؤمن هو الانتقال إلى قاعة الاحتفالات الكبرى، لأخذ الجائزة من الله تعالى. لذا يكون شوقه للموت أكثر من شوقه للحياة! وهذا ما عبّر عنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في قوله الشهير: "والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه". ولأنه يدرك أن الناس قد تستغرب هذه الحقيقة، قدّمها بالقسم تأكيداً.

أحسن العمل لا أكثره

يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. لاحظ أنه لم يقل: "أيكم أكثر عملاً". فالميزان الإلهي يقيس الإحسان في العمل وليس كثرته.

تخيل معي سيداً له عبيد وجوارٍ، أمرهم أن يأتوه بالزهور من الحديقة. فجاءه عبد بكمية هائلة من الزهور الذابلة مختلطة بالحشائش والأشواك. هل سيُسر بها؟ بالطبع لا، بل سيكون مصيرها سلة المهملات! بينما جاءه عبد آخر بوردة واحدة فواحة، فتح قلب السيد برائحتها العطرة فأعتقه من العبودية.

وهذا ما فعله الإمام الحسن (ع) عندما أتته جارية بطاقة ريحان، فأعتقها لجمال ما قدمته. نعم، قد يأتي الإنسان يوم القيامة وليس له من الأعمال الكثير، ولكن عنده موقف جميل واحد، فينجو به.

قصص في القبول الإلهي

إن بنات شعيب (ع) قدمن لله عز وجل عملاً جميلاً، وربما كن عابدات قائمات. لكن الله تعالى ركز على صفة واحدة خلّدها في القرآن: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾. هذا الحياء أصبح وساماً خالداً في كتاب الله.

وعليه، لا ينبغي للمؤمن أن يصيبه اليأس إن لم يستطع فعل الكثير من الخيرات أو لم يتمكن من الإنفاق الكبير. المهم هو أن يقدم أحسن الأعمال، وإن كانت بسيطة، فإن هذا العمل المتقن المخلص يتقبله الله تعالى.

في سورة الإنسان (الدهر) نشهد إتقاناً للعمل، لا إكثاراً له. فملوك الجور من بني أمية والعباس قد فتحوا البلاد والأمصار، ولكن هل يتقبل الله العمل الذي لا يُقصد به وجهه؟ بينما علي وفاطمة والحسن والحسين وخادمتهم فضة قدموا خبزاً واحداً في سبيل الله، فكتب الله لهم الخلود.

وهناك في التاريخ كثيرون قدموا القرابين لله. فأم مريم قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. إبراهيم (ع) قدم إسماعيل للذبح، ولكن أم مريم نذرت خادماً للمسجد، لا أكثر ولا أقل، ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾.

الانسجام مع نظام الكون

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِنْ فُطُورٍ﴾. أي أن الله عز وجل خلق الكون بنظام محكم، وكل شيء منسجم، وخاضع لأمره، وليس هناك أي خلل في عالم الخلق.

ولكن أنت يا ابن آدم! لماذا هذا الخلل في عملك وسلوكك؟ إن الله تعالى عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وحملها الإنسان، ووجوده كله خلل. ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾... ما هذا التعبير القرآني اللاذع! إنه يدعو بالقتل للإنسان الذي ينحرف عن الفطرة!

﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾. لن تجد خللاً في الخلق مهما دققت النظر.

إذن، الدرس العملي من هذه الآية هو أن ننسجم مع الوجود. لماذا نختلف نحن البشر مع المجرات التي تسبح بحمد ربها؟ هذه المجرات العملاقة ممتثلة لأمر الله عز وجل، فعلى الإنسان أن ينسجم معها ليصل إلى كماله المنشود.

كما قال الشاعر: "أتزعم أنك جرم صغير... وفيك انطوى العالم الأكبر".

المقال مقتطف (بتصرّف) من محاضرة لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي حفظه الله

2025/03/26