وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّـهِ وَ عَدُوَّكُمْ وَ آخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّـهُ يَعْلَمُهُمْ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَی اللَّـهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَ إِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّـهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لكِنَّ اللَّـهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّـهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)
المزيد من التعبئة العسكرية و الهدف منها:
تشير أوّل آية هنا- لتناسب الكلام في الآيات المتقدمة عن الجهاد- إلی أصل مهم يجب علی المسلمين التمسك به في كل عصر و مصر، و هو لزوم الاستعداد العسكري لمواجهة الأعداء، فتقول: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ.
[اشترك]
أي لا تنتظروا حتی يهجم العدوّ فتستعدوا عندئذ لمواجهته، بل يجب أن تكون لديكم القدرة و الاستعداد اللازم لمواجهة هجمات الأعداء المحتملة.
و تضيف الآية قائلة: وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ.
«الرّباط» بمعنی شدّ الشيء، و يرد هذا الاستعمال كثيرا بمعنی ربط الحيوان في مكان ما لرعايته و المحافظة عليه، و قد جاء هذا اللفظ هنا بما يناسب ذلك بمعنی الحفظ و المراقبة بصورة عامّة.
و «المرابطة» تعني حفظ الحدود، و تأتي كذلك بمعنی الرقابة علی شيء آخر، و يطلق علی مكان شدّ وثاق الحيوان ب «الرباط» و لذلك سمّت العرب أماكن نزول المجاهدين رباطا أيضا.
ملاحظات
١- في الجملة القصيرة- آنفة الذكر- بيان لأصل مهم في الجهاد و حفظ وجود المسلمين و ما لديهم من مجد و عظمة و فخر، و التعبير في الآية واسع إلی درجة أنّه ينطبق علی كل عصر مصر تماما.
و كلمة «قوّة» و إن قصرت لفظا، إلّا أنّها ذات معنی وسيع و مغزی عميق، فهي لا تختص بأجهزة الحرب و الأسلحة الحديثة لكل عصر فحسب، بل تتسع لتشمل كلّ أنواع القوی و القدرات التي يكون لها أثرا ما في الإنتصار علی الأعداء، سواء من الناحية المادية أو الناحية المعنوية.
فالذين يرون أنّ السبيل الوحيد للانتصار علی الأعداء هو كمية السلاح، هم علی خطأ كبير، لأنّنا شاهدنا في عصرنا الحاضر شعوبا قليلة العدد و أسلحتها غير متطورة انتصرت علی شعوب أقوی و ذات أسلحة حديثة متطورة، كما حصل للشعب الجزائري المسلم في مواجهة الدولة الفرنسية القوية! فبناء علی ذلك، و مضافا إلی ضرورة تحصيل الاسلحة المتطورة في كل زمان بعنوان وظيفة إسلامية حتمية- تجب تقوية عزائم الجنود و معنوياتهم للحصول علی قوّة أكبر و أهمّ.
و لا ينبغي الغفلة عن بقية القوی و القدرات الاقتصادية و الثقافية و السياسية، و التي تندرج تحت عنوان «القوّة» و لها تأثير بالغ علی الأعداء.
و ممّا يسترعي النظر أنّ الرّوايات الإسلامية ذكرت لنا تفاسير مختلفة في شأن «القوّة» و معناها، و ذلك يكشف عن مفهومها الواسع، ففي بعض الرّوايات نجد أنّ النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم بيّن أنّ المراد من القوّة هو «النّبل»
[تفسير نور الثقلين، ج ٢، ص ١٦٤- ١٦٥.]
١.
و نقرأ في رواية أخری- وردت في تفسير علي بن إبراهيم- أن المقصود من القوة هو كل أنواع السلاح
[المصدر السابق.]
٢.
كما نقرأ في تفسير العياشي أن المراد منه السيف و الدرع
[المصدر السابق.]
٣.
و نجد رواية أخری في كتاب من لا يحضره الفقيه تقول: «منه الخضاب بالسواد»
[المصدر السّابق.]
٤.
فتری أنّ الإسلام قد أولی لون شعر المقاتلين من كبار السن اهتماما ليستعملوا الخضاب، فيراهم العدوّ في عمر الشباب فيصاب بالرعب منهم، و يكشف هذا الأمر عن مدی سعة مفهوم القوّة.
و بناء علی ذلك، فمن فسّر القوّة بمصداق واحد محدود قد جانب الصواب جدّا.
و لكن مع الأسف، فإنّ المسلمين علی الرغم ممّا لديهم من مثل هذا التعليم الصريح، لا نجد فيهم أثرا لتقوية العزائم و المعنويات بين صفوفهم، كأنّهم قد نسوا كل شيء. و لا هم يستغلّون قواهم الاقتصادية و الثقافية و العسكرية و السياسية لمواجهة عدوّهم.
و الأعجب من ذلك أنّنا مع إهمالنا هذا الأمر العظيم و تركه وراء ظهورنا نزعم أنّنا ما زلنا مسلمين!! و نلقي تبعة تأخرنا و انحطاطنا علی رقبة الإسلام، و نقول: إذا كان الإسلام داعية ترقّ و تقدم، فلم نحن المسلمون في تأخر و تخلف؟! و نحن نعتقد أنّ هذا الشعار الإسلامي الكبير: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ إذا أضحی شعارا شاملا في كل مكان، ينادي، به الصغير و الكبير، و العالم و غير العالم، و المؤلف و الخطيب، و الجندي و الضابط، و الفلاح و التاجر، و التزموا به في حياتهم و طبقوه، كان كافيا لجبران التخلفّ و التأخر.
إنّ سيرة النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم العملية و أئمّة الإسلام تدل علی أنّهم لم يدخروا وسعا، و استغلوا كل فرصة لمواجهة العدوّ، كإعداد الجنود و تهيئة السلاح، و شد الأزر و رفع المعنويات، و بناء معسكرات التدريب، و إختيار الزمان المناسب للهجوم، و العمل علی استعمال مختلف الأساليب الحربية، و لم يتركوا أية صغيرة و لا كبيرة في ذلك.
و المعروف أنّ النّبي بلغه أن سلاحا جديدا مؤثرا صنع في اليمن أيّام معركة حنين، فأرسل النّبي جماعة إلی اليمن لشرائه فورا.
[اشترك]
و نقرأ في أخبار معركة أحد أنّ النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم ردّ علی شعار المشركين «أعل هبل، اعل هبل» بشعار أقوی منه و هو «اللّه أعلی و أجل» ورد علی شعارهم: «إنّ لنا العزی و العزی لكم»، بقوله: «اللّه مولانا و لا مولی لكم»، و هذا الأمر يدلّ علی أنّ النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم و المسلمين- كذلك- لم يغفلوا عن اختيار أقوی الشعارات في مواجهة الأعداء و الردّ علی عقائدهم و شعاراتهم.
و من التعاليم الإسلامية المهمّة في هذا الصدد موضوع سباق الخيل و الرماية، و ما جوّزه الفقه فيهما من الربح و الخسارة، فهو مثل آخر علی تفكير الإسلام العميق إلی جانب الاستعداد لمواجهة الأعداء و حثّ المسلمين علی ذلك.
٢- و اللطيفة المهمّة الأخری التي نستنتجها من الآية آنفة الذكر هو عالمية و خلود هذا الدين الالهي. لأنّ مفاهيم هذا الدين و مضامينه ذات أبعاد واسعة لا تخلق علی مرور الزمان و لا تغدو بالية أو منسوخة برغم القدم، فجملة وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ كان لها مفهوم حي قبل أكثر من ألف عام، كما هي الحال اليوم، و سيبقی مفهومها حيا إلی عشرات الآلاف من السنين الأخری لأنّ أي سلاح يظهر في المستقبل فهو كامن في كلمة «القوّة» الجامعة، إذ أن جملة «ما استطعتم» عامّة، و كلمة «قوّة» نكرة تؤيد عمومية تلك الجملة لتشمل كل قوّة.
٣- و يرد هنا سؤال و هو: لماذا وردت عبارة «رباط الخيل» بعد كلمة «قوّة» بمالها من المفهوم الواسع.
و جواب هذا السؤال هو أنّ الآية بالرغم من أنّها تتضمن قانونا شاملا لكل عصر و زمان، فهي في الوقت ذاته تحمل تعليما مهما خاصا بعصر النّبي، الذي هو عصر نزول القرآن. و في الحقيقة إن هذا المفهوم العام جاء بمثال واضح لذلك العصر، لأنّ الخيل كانت في ذلك الزمن من أهم وسائل الحرب، فهي وسيلة مهمّة عند المقاتلين الشجعان و الأبطال في هجومهم و قتالهم السريع، و أهميتها تشبه أهمية الطائرات و الدبابات في العصر الحاضر.
الهدف من تهيئة السلاح و زيادة التعبئة العسكرية:
ثمّ ينتقل القرآن بعد ذلك التعليم المهم إلی الهدف المنطقي و الإنساني من وراء هذا الموضوع، فيقول: إنّ الهدف منه ليس تزويد الناس في العالم أو في مجتمعكم بأنواع الأسلحة المدمرة التي تهدم المدن و تحرق الأخضر و اليابس و ليس الهدف منه استغلال أراضي الآخرين و ممتلكاتهم، و ليس الهدف هو توسعة الاستعباد و الاستعمار في العالم، بل الهدف من ذلك هو تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّـهِ وَ عَدُوَّكُمْ! لأنّ أكثر الأعداء لا يستمعون لكلمة الحق و لا يستجيبون لنداء المنطق و المبادي الإنسانية، و لا يفهمون غير منطق القوّة! فإذا كان المسلمون ضعافا، فسوف يفرض عليهم الأعداء كل ما يريدون، أمّا إذا اكتسبوا القوّة الكافية، فإنّ أعداء الحق و العدل و الاستقلال و الحرية سيشعرون بالخوف و لا يفكرون بالتجاوز و العدوان.
و اليوم- و نحن في تفسير هذه الآية- فإنّ قسما من الأراضي الإسلامية في فلسطين و غيرها من الدول المجاورة تسحقها أحذية الجنود الصهاينة، و قد أغاروا بهجومهم الأخير علی لبنان فشردّوا الآلاف من العوائل، و قتلوا المئات من الأبرياء، و هدموا الكثير من الأحياء و الدور السكنية، و أحالوها إلی انقاض، فأضافوا- بهذه المأساة المروعة جريمة أخری إلی سجلهم الأسود ... في وقت استنكر الرأي العام العالمي هذا العمل الوحشي حتی أصدقاء إسرائيل، و أصدرت الأمم المتحدة بيانا دعت فيه إلی إخلاء هذه الأرض، لكن هذا الشعب الذي لا يتجاوز بضعة ملايين لا يريد الاستماع لأية كلمة حق و أي منطق إنساني، و ذلك لما لديه من قوّة و أسلحة و استعداد كاف للحرب أعدّه منذ سنين طويلة لمثل هذا العدوان.
فالمنطق الوحيد الذي يمكن به الردّ علی هؤلاء هو منطق وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ فكأنّ هذه الآية نزلت في عصرنا الحاضر و من أجلنا، لتقول لنا: جهزوا أنفسكم و كونوا من القوة بحيث يصاب عدوّكم بالذعر و الخوف كيما يغادر أرضكم و ينسحب إلی مكانه الأوّل. و ممّا يثير النظر و يسترعيه أنّ الآية هنا جمعت التعبير ب «عدوّ اللّه» و «عدوّكم» و ذلك إشارة إلی عدم وجود منافع و أغراض شخصية في الجهاد و الدفاع عن الإسلام، بل الهدف هو حفظ رسالة الإسلام الإنسانية، فالذين يعادونكم إنّما هم أعداء اللّه و أعداء الحق و العدل و الإيمان و التوحيد و الأخلاق الإنسانية، فينبغي الردّ عليهم انطلاقا من هذا المجال.
[اشترك]
و في الحقيقة إنّ هذا التعبير شبيه بالتعبير «في سبيل اللّه» أو «الجهاد في سبيل اللّه» الذي يدلّ علی أنّ الجهاد أو الدفاع الإسلامي لا يشبه فتح البلدان في ما مضی من التأريخ، و لا غزو الاستعمار التوسعي اليوم، و لا في صورة إغارات القبائل العربية في زمن الجاهلية، بل كل ذلك من أجل اللّه و في سبيل اللّه، و في مسير إحياء الحق و العدل.
ثمّ تضيف الآية بأنّ المزيد من استعداداتكم العسكرية يخيف أعداء آخرين لا تعرفونهم فتقول: وَ آخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ.
ملاحظتان
١- من هم المقصودون في الآية «الذين لا تعلمونهم»
بالرّغم من أنّ المفسّرين احتملوا في هذه الطائفة: الذين لا تعلمونهم احتمالات كثيرة، فقال بعضهم: إنّهم يهود المدينة الذين كانوا يضمرون عداءهم، و قال آخرون: إنّها إشارة إلی الأعداء مستقبلا، كدولة الروم و الفرس اللتين لم يحتمل المسلمون يومئذ أنّهم سيكونون في حرب معهما أو يقع القتال بينهما و بينهم.
إلّا أنّ الأصح- كما نراه- هو أن المراد منها هم المنافقون الذين دخلوا في صفوف المسلمين دون أن يعلموهم، فإذا قوی جيش الإسلام فإنّ أولئك سيقعون في حيرة و اضطراب و يرحلون، و الشاهد علی هذه الموضوع هو الآية (١٠١) من سورة التّوبة إذ تقول: وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَی النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ.
و يحتمل أن مفهوم الآية يشمل جميع أعداء الإسلام غير المعروفين أعم من المنافقين و غيرهم.
٢- الاستعداد في كل مكان و زمان
و تتضمن الآية تعليما لمسلمي اليوم أيضا، و هو أنّه لا ينبغي الاكتفاء بالاستعداد لأعداء الإسلام الذين تعرفونهم، بل عليكم أن تنتبهوا للأعداء الاحتماليين أو «بالقوّة» و أن تتهيأوا حتی تكونوا في أعلی حدّ من القوّة و القدرة، و في الحقيقة فإنّ المسلمين لو تنبهوا لهذه القضية المهمّة لما منوا بهجمات الأعداء المفاجئة.
و في نهاية الآية إشارة إلی موضوع مهم آخر، و هو أنّ الاستعداد العسكري و جمع الأسلحة و الأجهزة الحربية و وسائل الدفاع المختلفة، كل ذلك يحتاج إلی بالدعم المالي اللازم له، لذلك تأمر المسلمين بالتعاون الجماعي لتهيئة ذلك المال، و أن ما يبذلونه في هذا الأمر فهو عطاء في سبيل اللّه، و لن ينقص منه شيء أبدا وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ فيرجع إليكم جميعه، بل أكثر ممّا أنفقتم وَ أَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ، و ستنالون ثواب ذلك في هذه الدنيا في انتصار الإسلام و قوته و عظمته، لأنّ الشعب الضعيف ستتعرض أمواله للخطر و سيفقد أمنه و حريته و استقلاله أيضا، فبناء علی ذلك فإنّ ما تنفقونه في هذا السبيل سيعود إليكم عن طريق آخر و في مستوی أفضل و أسمی.
كما أنّ ثوابا أعظم ينتظركم في العالم الآخر في جوار رحمة اللّه، فمع هذه الحال لا تظلمون، بل ستنالون خيرا كثيرا. و ممّا يسترعي النظر أنّ الجملة آنفة الذكر جاء فيها لفظ «شيء» و هي ذات مفهوم واسع، أي لا يخفی علی اللّه ما تبذلونه من جميع الأشياء، مالا كان أو نفسا أو فكرا أو منطقا أو قوة أو أي مال آخر ينفق في تقوية بنية المسلمين الدفاعية و العسكرية، فإنّ اللّه سيدخره و يعيده إليكم في حينه.
و قد احتمل بعض المفسّرين أن جملة «و أنتم لا تظلمون» معطوفة علی جملة «ترهبون» أي أنّكم إذا ما أعددتم القوة اللازمة لمواجهة الأعداء فسيخافون أن يهجموا عليكم، و لن يقدروا علی ظلمكم و إيذائكم، و بناء علی ذلك فلن يصيبكم ظلم أبدا.
أهداف الجهاد في الإسلام و أركانه:
و اللطيفة الأخری التي تستفاد من هذه الآية، و تكون جوابا علی كثير من أسئلة الجهلاء و إشكالاتهم، هي بيان شكل الجهاد و هدفه و منهجه، فالآية تقول بوضوح: إنّ الهدف منه ليس قتل الناس أو الاعتداء علی حقوق الآخرين، بل الهدف- كما ذكرنا- هو إرهابكم الأعداء لكيلا يعتدوا عليكم و ليخافوكم، فينبغي أن تكون جميع جهودكم و سعيكم منصبّا في سبيل قطع شر أعداء اللّه و الحق و العدل.
فهل يملك الجهلة في أذهانهم مثل هذا التصوّر عن الجهاد في القرآن الكريم، و ما صرّح به في هذه الآية- محل البحث- ليسوغ لهم أن يحملوا كل هذه الحملات المسعورة المتتالية علی هذا القانون الإسلامي. فتارة يدّعون بأنّ الإسلام هو دين السيف، و تارة يقولون بأنّ الإسلام يفرض علی الناس أفكاره بالحديد، و يقيسون النّبي الأكرم صلّی اللّه عليه و آله و سلّم بسائر محتلي البلدان في التاريخ.
و في عقيدتنا أنّ جواب كل هؤلاء هو أن يعود إلی القرآن، و يفكروا في الهدف الأصيل لهذا الموضوع، لتتّضح لهم كل تلك الأمور.
الاستعداد للصّلح:
مع أنّ الآية السابقة أو ضحت هدف الجهاد في الإسلام بقدر كاف، فإنّ الآية التالية التي تتحدّث علی الصلح بين المسلمين توضح هذا الأمر بصورة أجلی فتقول وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها.
و يحتمل في تفسير هذه الجملة المتقدمة أنّهم إذا بسطوا أجنحتهم للسلم فابسط جناحيك أنت للسلم أيضا، لأنّ «جنحوا» فعل مصدره «الجنوح» و هو الميل، و يطلق علی كل طائر أنّه «جناح» أيضا، لأنّ كل جناح في الطائر يميل إلی جهة، لذلك يمكن الاستناد في تفسير هذه الآية إلی جذر اللغة تارة، و إلی مفهومها الثّانوي تارة أخری.
و لمّا كان الناس يترددّون أغلب الأحيان عند ما يراد التوقيع علی معاهدة الصلح، فإنّ الآية تأمر النّبي بعدم التردد في الأمر إذا كانت الشروط عادلة و منسجمة مع المنطق السليم و العقل، فتقول: وَ تَوَكَّلْ عَلَی اللَّـهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
و مع ذلك فهي تحذر النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم و المسلمين من احتمال الاحتيال و الخداع في دعوة الأعداء، إلی الصلح، فقد تكون دعوة للتمويه و الرّغبة في توجيه ضربة مفاجئة، أو يكون هدفهم هو تأخير الحرب ليتمكنوا من إعداد قوات أكثر، إلّا أنّ الآية تطمئن النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم أن لا يخشی هذا الأمر أيضا، لأنّ اللّه عزّ و جلّ سيكفيه أمرهم و سينصره في جميع الأحوال، إذ تقول: وَ إِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّـهُ.
و سيرتك أيّها النّبي- السابقة- شاهدة علی هذه الحقيقة، لأنّ اللّه هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ.
فكم أرادوا بك كيدا، و كم مهدوا و أعدّوا لك من خطط مدمّرة بحيث لم تكن الغلبة عليها بالوسائل المألوفة ممكنة، لكنّه عزّ و جلّ حفظك و رعاك في مواجهة كل ذلك.
أضف إلی ذلك أنّ المؤمنين المخلصين قد أحاطوا بك من كل جانب و لم يدخروا وسعا في الدفاع عنك، فقد كانوا قبل ذلك متشتتين متعادين، و لكنّ اللّه شرح صدورهم بأنوار الهداية وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ.
و قد كانت الحرب لسنوات طويلة قائمة علی قدم و ساق بين طائفتي الأوس و الخزرج و كانت صدورهم تغلي غيظا و حقدا بعضهم علی بعض بشكل لم يكن أي أحد يتصور أنّهم سيعيشون بعضهم مع بعض بالحب و الصفاء في يوم ما، و سيكونون صفا واحدا متراصا، و لكن اللّه القادر المتعادل فعل ذلك ببركة الإسلام و في ظلال القرآن، و لم يكن هذا الإمر مقتصرا علی الأوس و الخزرج الذين هم من الأنصار، بل كان ذلك بين المهاجرين أيضا الذين جاءوا من مكّة، إذ لم يكن بينهم- قبل الإسلام- حب و مودّة، بل كانت صدورهم مليئة بالبغضاء و الشحناء أيضا، لكن اللّه عزّ و جلّ غسل كل تلك الأحقاد و أزالها بحيث تمكن معها ثلاثمائة و ثلاثة عشر من أبطال بدر، منهم حوالي ثمانين نفرا من المهاجرين و الباقي من الأنصار، فكانوا جيشا صغيرا، لكنّه متحدّ قوي استطاع أن يكسر شوكة العدوّ و يحطم قوته.
ثمّ تضيف الآية أن اتّحاد تلك القلوب، أو إيجاد تلك الألفة، لم يكن بوسائل مألوفة أو مادية لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لكِنَ اللَّـهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ.
إنّ الذين يعرفون حالة نفوس المتعصبين و الحاقدين، كأولئك الذين كانوا في العصر الجاهلي، يعرفون كذلك أن تلك الأحقاد و الضغائن لم يكن بالإمكان إزالتها، لا بالمال و لا بالجاه و المقام، لأنّها كانت لا تزول عندهم إلّا بالانتقام الذي يتكرر بصورة متسلسلة فيما بينهم، و في كل مرّة يكون في صورة أبشع و أكثر وحشية و إجراما، و الأمر الوحيد الذي أمكن بسببه قلع تلك الجذور الفاسدة من أصولها، هو إحداث ثورة عارمة و تغيير شامل في الأفكار و الأرواح و العقائد، ثورة تصنع تحوّلا في شخصياتهم و تبدل أساليب تفكيرهم، و ترفعهم عن الحضيض الذي كانوا فيه، لتتجلی لهم أعمالهم السابقة في وجهها الكالح القبيح، فيطهروا بذلك أنفسهم، و يدرءوا عنها الأحقاد و الأوساخ و العصبية القبلية العمياء و هذه أمور لا يمكن إيجادها بالثروة و لا بالمال، بل في ظلال الإيمان و التوحيد الخالص فحسب.
و تضيف الآية معقبة في الختام إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
[اشترك]
فعزته تقتضي عجز الآخرين من الوقوف في مواجهته، و حكمته تقتضي أن تكون كل أموره جارية وفق حساب دقيق و نظام صحيح، و لهذا فإنّ الخطة الدقيقة وحدت القلوب المتنافرة المتفرقة و جعلتها تنصاع للنّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم لينشروا أنوار الهداية في كل أرجاء العالم.
ملاحظتان
١- قال بعض المفسّرين: إنّ الآية محل البحث تشير إلی الخلافات بين الأوس و الخزرج، الذين هم من الأنصار فحسب، و لكن نظرا إلی أنّ المهاجرين و الأنصار نهضوا جميعا لنصرة النّبيّ فيتّضح اتساع مفهوم الآية.
و لعل أولئك كانوا يتصورون أنّ الخلافات كانت قائمة بين الأوس و الخزرج دون غيرهم، مع أنّه كانت اختلافات كثيرة في المستويات الطبقية و الاجتماعية بين الفقراء و الأغنياء، و الكبار و الصغار، بين هذه القبيلة و تلك، تلك الخلافات و «الانشقاقات» أذهبها الإسلام و محا آثارها، كما يقول القرآن الكريم في مكان آخر: وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
[آل عمران، ١٠٣.]
٥.
٢- إنّ هذا القانون لا يختص بالمسلمين الأوائل فحسب، فاليوم حيث يبسط الإسلام ظلاله علی ثمانمائة مليون مسلم في أنحاء العالم، و هم من مختلف العناصر و الأقوام المتباعدة و المجتمعات المتنوعة. إذ لا يمكن إيجاد أية حلقة اتصال بين كل هؤلاء سوی حلقة الإيمان و التوحيد، فإنّ الأموال و الثروات و المؤتمرات لا يمكنها أن تفعل شيئا مهما في هذا المجال، بل ما يمكن أن يوحدهم هو إيقاد شعلة الإيمان أكثر في قلوب هؤلاء كما حصل عند المسلمين الأوائل، لأنّ النصر لا يتحقق إلّا عن هذا الطريق، و هو طريق الأخوة الإسلامية بين جميع الناس.
و تخاطب الآية الأخيرة من الآيات محل البحث النّبي بالقول: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّـهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
و نقل بعض المفسّرين أنّ هذه الآية الكريمة نزلت عند ما قال جماعة من يهود بني قريظة و بني النضير لما قالوا للنّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم: نحن نسلم و نتبعك، يعني إنّنا مستعدون لاتباعك و نصرتك، فنزلت هذه الآية محذرة النّبي لئلا يعتمد علی هؤلاء، بل المعول عليه هو اللّه و المؤمنون
[تفسير التبيان، ج ٥، ص ١٥٢.]
٦.
[اشترك]
و قد أورد الحافظ أبو نعيم- و هو من أكابر علماء السنة- في كتابه فضائل الصحابة، بسنده، أنّ هذه الآية نزلت في حق علي أمير المؤمنين، فالمقصود بالمؤمنين هو علي عليه السّلام. و قد قلنا مرارا: إنّ مثل هذه التفاسير و أسباب النّزول لا تجعل الآيات محدودة و منحصرة، بل المقصود فيها هو أنّ شخصا كعلي بن أبي طالب عليه السّلام الذي كان في أوّل صفوف المؤمنين هو السند الأوّل للنبي بعد اللّه من بين المسلمين، مع أنّ بقية المؤمنين هم أنصار النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم و أعوانه.
الهوامش
١ تفسير نور الثقلين، ج ٢، ص ١٦٤- ١٦٥.
٢ المصدر السابق.
٣ المصدر السابق.
٤ المصدر السّابق.
٥ آل عمران، ١٠٣.
٦ تفسير التبيان، ج ٥، ص ١٥٢.































