إنسان كنود.. غارق في النعم ويبكي من الحرمان!
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6].

هذه الآية القصيرة تحمل وصفًا عميقًا لحالة نفسية وسلوكية قد يقع فيها الإنسان حين يفقد إحساسه الحقيقي بالنعم، فيتحول من كائن مُكرَّم أُغدقت عليه العطايا إلى إنسان سلبي يائس لا يرى إلا الجانب المظلم من الحياة. والكنود في لغة العرب هو الكفور الجحود، كما يُقال للأرض التي لا تُنبت ولا تعطي رغم ما يُبذل فيها من ماء وعناية: “أرض كنود”. وكأن القرآن يريد أن يقول إن بعض الناس تُغدق عليهم النعم من كل جانب، لكن أرواحهم تبقى قاحلة، لا تُثمر شكرًا، ولا تُنتج خيرًا، ولا تنعكس عليهم تلك النعم أملاً وعطاءً وحيوية.

إن الإنسان بطبيعته يتطلع دائمًا إلى المزيد، وقد ينسى سريعًا ما بين يديه من نعم. لكنه حين يفقد روح الشكر، يتحول تدريجيًا إلى شخص يرى النقص في كل شيء، ويشعر بالحرمان حتى وهو محاط بالعطايا. وربما يملك الصحة، والأهل، والأمان، والقدرات، والفرص، لكنه يعيش بعقلية الفقير المعدم، لا يرى إلا ما ينقصه، ولا يشعر إلا بالخوف مما قد يفقده. وهنا تتولد السلبية التي تقتل روح الإنسان من الداخل.

لقد أراد الله تعالى من النعم أن تكون طاقةً للحياة والبناء، لا سببًا للجمود والانطفاء. فشكر النعمة ليس مجرد كلمات تُقال باللسان، بل هو موقف عملي يترجم الإيمان إلى إنتاج، والخير إلى خدمة، والعطاء إلى أثر في المجتمع. قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: 13]، فجعل العمل نفسه صورة من صور الشكر. فكل نعمة لا تتحول إلى خير نافع للناس تبقى ناقصة الأثر، وربما تنقلب على صاحبها حسرةً وضيقًا.

[اشترك]

إن من أكثر المشاهد إيلامًا أن ترى إنسانًا يعيش وسط النعم لكنه غارق في التشاؤم والخوف واليأس. لا يتحدث إلا بلغة الإحباط، ولا يرى المستقبل إلا ظلامًا، ولا ينقل إلى من حوله إلا القلق والانكسار. وإذا جالسته خرجت من عنده مثقل الروح، لأن السلبية ليست شعورًا فرديًا فقط، بل عدوى تنتقل بالكلمات والنظرات وطريقة التفكير. وقد وصف القرآن هذه الحالة المضطربة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت: 49]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ۝ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: 19-20]. فحين يغيب اليقين، يصبح الإنسان هشًّا أمام الأحداث، ينهار سريعًا، ويستسلم للخوف من المستقبل.

والمشكلة أن الإنسان السلبي لا يكتفي بإتعاب نفسه، بل يطفئ الحماس في نفوس الآخرين. فهو دائم التوقع للأسوأ، دائم الاعتراض، يهوّل العقبات، ويزرع الشك في كل مشروع أو فكرة أو أمل. وإذا رأى ناجحًا قلل من نجاحه، وإذا رأى متفائلًا سخر من تفاؤله، وكأن روحه لا تستطيع احتمال رؤية الضوء في حياة الآخرين. وهؤلاء يعيشون حالة سماها القرآن “المعيشة الضنك”، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 124]. فالضيق ليس دائمًا ضيق المال، بل قد يكون ضيق الروح، وضيق النظرة، وضيق القلب الذي لا يعرف الطمأنينة.

وفي المقابل، يقدم القرآن صورة الإنسان المؤمن الشاكر الذي يرى النعمة مسؤولية ورسالة، لا مجرد متعة عابرة. فهذا الإنسان يعيش بروح إيجابية لأنه يعلم أن الله معه، وأن الحياة مهما قست فإن فيها أبوابًا للخير لا تنغلق. ويؤمن بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]. فالمؤمن لا ينكر وجود الصعوبات، لكنه لا يسمح لها أن تسحق روحه. إنه يواجهها بالأمل والعمل والتوكل.

والإيجابية في المنظور القرآني ليست تفاؤلًا ساذجًا، بل هي ثمرة اليقين بالله. فحين يمتلئ القلب بالإيمان، يشعر الإنسان أن لكل محنة حكمة، ولكل تعب نهاية، ولكل ليل فجرًا قادمًا. ولذلك قال سبحانه: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. فالطمأنينة ليست نتيجة الظروف المثالية، بل نتيجة العلاقة الصحيحة بالله.

إن أخطر ما يفعله الإنسان بنفسه أن يحوّل النعم إلى أسباب للتذمر بدل أن يجعلها دوافع للعطاء. فكم من إنسان أُعطي العقل والعلم والوقت والمال والصحة، لكنه عطّل هذه النعم بالخوف والكسل والتشاؤم، حتى أصبح وجوده هامشيًا لا أثر له. بينما هناك من يملك القليل، لكنه يعيش بروح ممتلئة بالشكر، فيصنع من القليل خيرًا كثيرًا، وينشر الأمل أينما حلّ.

ولهذا كان الشكر في الإسلام طريقًا للزيادة والنماء، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. والزيادة هنا لا تعني المال فقط، بل تعني اتساع الروح، وراحة النفس، وبركة الحياة، والقدرة على التأثير الإيجابي في الناس. فالإنسان الشاكر يشعر أن له دورًا في هذه الحياة، وأن عليه أن يترك أثرًا جميلًا، ولذلك يعيش منتجًا متفائلًا نافعًا.

[اشترك]

إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات المحبطة بقدر حاجته إلى النفوس التي تبعث الطمأنينة والأمل والعمل. فالحياة مهما امتلأت بالصعوبات تبقى جديرة بالسعي، والإنسان مهما أثقلته الهموم يبقى قادرًا على النهوض إذا امتلأ قلبه بالإيمان والشكر. أما الكنود، فإنه يحوّل حياته إلى أرض قاحلة، لا تُنبت خيرًا ولا تمنح من حولها إلا الجفاف النفسي. ومن هنا نفهم لماذا كان الشكر في القرآن عبادةً عظيمة، لأنه يحرر الإنسان من السلبية، ويعيد إليه إنسانيته المشرقة، ويجعله مصدر نور بدل أن يكون مصدر ظلام.

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه ‌السلام، قَالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللهِ صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله‌ وسلم النَّاسَ، فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله ‌وسلم: الَّذِي يَمْنَعُ رِفْدَهُ، وَيَضْرِبُ عَبْدَهُ، وَيَتَزَوَّدُ وَحْدَهُ؛ فَظَنُّوا أَنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقاً هُوَ شَرٌّ مِنْ هذَا.

ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْ ذلِكَ؟ قَالُوا: بَلى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله ‌وسلم: الَّذِي لَا يُرْجى خَيْرُهُ، وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ؛ فَظَنُّوا أَنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقاً هُوَ شَرٌّ مِنْ هذَا.

ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْ ذلِكَ؟ قَالُوا: بَلى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله ‌وسلم:

الْمُتَفَحِّشُ اللَّعَّانُ، الَّذِي إِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ الْمُؤْمِنُونَ لَعَنَهُمْ، وَإِذَا ذَكَرُوهُ لَعَنُوهُ».  ‌الكافي: ج3، ص715، باب في أصول الكفر وأركانه

 

2026/05/17

هل يسكن الجنّ في جسد الإنسان؟!

الكلام عن مسّ الجنّ وأنّ الجنون داءٌ عارض من مسّه فيعالج باللجوء إلى الرُّقى والتعويذات ودمدمة الكهنة وأصحاب التسخيرات وما إلى ذلك من خرافات بائدة. فالذي يمكننا القول فيه: أن ليس في القرآن شيء من ذلك، حتّى ولا إشارة إليه، إذ لا شكّ أنّ الجنون داءٌ عصبيّ وله أنحاء، بعضها صالح للعلاج بأسباب عادية ذكرها الأطبّاء في كتبهم قديماً وحديثاً، وهناك مراكز لمعالجة هذه الأمراض أو التخفيف من وطأتها بالأساليب العلاجية الطبيعية المتعارفة وليست بالأساليب الغريبة.[١]

وليس في القرآن ما يبدو منه أنّ صاحب هذا الداء إنّما يُصاب على أثر مسّ الجنّ له.

نعم سوى استعماله لهذه اللفظة (المجنون) في أحد عشر موضعاً.[٢] وكذا التعبير بمن به جِنّة في خمسة مواضع.[٣]

[اشترك]

وهذا من باب المجاراة في الاستعمال[٤] - كما نبّهنا - حيث كان التفاهم بلسان القوم، وليس عن اعترافٍ بمنشأ هذه التسمية اللغوية. ولا يزال الأطبّاء المعالجون - قديماً وحديثاً - يعبّرون عن المصاب بهذا الداء بالمجنون وعن نفس الداء بالجنون، مجاراةً مع لغة العامّة، ولا يعني ذلك اعتقادهم بمسّ الجنّ إيّاه حتمياً.

وتلك دور المجانين معدّة لمعالجة المصابين بهذا الداء أو للحراسة عنهم مرسوم عليها نفس العنوان وليس إلاّ لأجل التفاهم مع العرف الدارج لاغير.

وأمّا قوله تعالى: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ»[٥] فالمراد من المساس هنا هو مسّ وساوسه الخبيثة المغرية، والتي هي عبارة عن استحواذه على عقلية أهل المطامع ليتيه بهم الدرب ويجعلهم في السعي وراء مطامعهم يتخبّطون خبط عشواء وفي غياهب غيّهم يعمهون.

وهذا إنّما يعني استيلاء الشيطان على شرائر وجودهم فعموا وصمّوا «كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ».[٦] «اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ».[٧]

قال تعالى - حكاية عن نبيّ الله أيّوب (عليه السلام) -: «إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ».[٨] أي مسّني ضرّ وساوسه ودسائسه الخبيثة في سبيل إيقاع أولياء الله في النصب ومكابدة الآلام، كما في قوله: «إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ».[٩] فمسّ الشيطان هو مسّ ضرّه على أثر دسائسه الخبيثة، لا الإضرار مباشرةً.[١٠]

===========

الهوامش:

[١] راجع ما كتبه بهذا الشأن في تفسير المنار، ج ١، ص ٢٦٧ - ٢٧٣، وج ٣، ص ٩٦. وراجع أيضاً: الميزان للسيّد الطباطبائي، ج ٢، ص ٤٣٣ - ٤٣٩. (ملاحظة: هذا الهامش أُدرج في بداية المبحث ضمن الصفحة الأولى رغم عدم ظهور رقمه صراحة بين السطور).

[٢] الحجر ١٥: ٦؛ الشعراء ٢٦: ٢٧؛ الصافات ٣٧: ٣٦؛ الدخان ٤٤: ١٤؛ الذاريات ٥١: ٣٩ و ٥٢؛ الطور ٥٢: ٢٩؛ القمر ٥٤: ٩؛ القلم ٦٨: ٢ و ٥١؛ التكوير ٨١: ٢٢.

[٣] الأعراف ٧: ١٨٤؛ المؤمنون ٢٣: ٢٥ و ٧٠؛ سبأ ٣٤: ٨ و ٤٦.

[٤] أي من تُسَمّونه بهذا الإسم أو تُسِمّونه بهذه السمة في استعمالكم المتعارف عندكم.

[٥] البقرة ٢: ٢٧٥.

[٦] الأنعام ٦: ٧١.

[٧] المجادلة ٥٨: ١٩.

[٨] ص ٣٨: ٤١.

[٩] الأنبياء ٢١: ٨٣.

[١٠] راجع: التفسير الكبير، ج ٧، ص ٨٩ والميزان، ج ٢، ص ٤٣٦.

المصدر: كتاب شبهات وردود

2026/04/09

واضربوهنّ.. هل القرآن يُهين المرأة؟!

قال تعالى: «واللاتي تخافون نشوزهنّ فَعِظُوهُنّ واهْجُرُوهُنّ في المضاجع واضْرِبُوهُنّ. فإن أطَعْنَكُمْ فلا تبغوا عَلَيْهِنّ سَبيلاً». ١

قالوا: في هذه الآية أيضاً مهانة بشأن المرأة، ممّا يتناسب وذلك العهد الجاهلي الذي كان موضع المرأة فيه موضع الضعة والصغار!

لكن بأدنى مراجعة لكتب التفسير والسِيَر وكلمات الفقهاء في ذلك يتّضح أنّ الأمر ليس بتلك الحدّة التي كانت تُتَصَوّر عن العصر الجاهلي المظلم وإمكان تأثيره على التشريعات الإسلامية الناصعة البيضاء والسهلة السمحاء.

كانت المرأة في العصر الجاهلي في مستوى هابط جدّاً، وجاء الإسلام ليأخذ بيدها ويرفعها إلى حيث مستواها الإنساني الرفيع، ولكن هذا التحوّل الجذري بشأنها هل أمكن حصوله بصورة فجائية وبلا تمهيد مقدّمات؟ أم كان بحاجة إلى مهل وبصورة تدريجية لقلب تلك الغلظة المتوهّجة إلى رقّة ورأفة هادئة؟ الأمر الذي يستدعي المسايرة مع القوم بعض الشيء في هذا الطريق الوعر ليمكن إيقافهم أو تمهيد أسباب هذا الإيقاف فيمكن إرجاعهم إلى حيث فطرتهم الإنسانية الأصيلة!

وهكذا جارى الإسلام العرب في بادئ الأمر في قسم من عاداتهم - كانت متّحكمة عليهم تحكّماً وثيقاً - وفي أثناء هذه المجاراة والمسايرة، أخذ ينفث في روعهم روح الملاءمة وإبعاد الخشونة لتلين قلوبهم ويهتدوا إلى وجه الصواب، فيرتدعوا بأنفسهم شيئاً فشيئاً عن الأخطاء التي كانت تجذبهم بقوّة ذلك العهد.

وهذا النحو من سياسة التدبير نرى الإسلام قد اتّخذها بشأن لفيف من عادات جاهلية لم تكن متّحكمة على العرب وحدهم، بل على سائر الأمم على وجه العموم. ومن ثَمّ كان قلع جذورها بحاجة إلى مُهلة وفرصة زمنية، قصيرة أو طويلة، وتمهيد مقدّمات أصولية تمهّد هذا السبيل.

ويمكننا التمثيل لذلك بمسألة الرقّية التي جاراها الإسلام، حيث تحكّمها على العالم كلّه يومذاك، وكانت سلعة تجارية ضخمة، لا يمكن مجابهتها بلا تمهيد مقدّمات، فقد قام الإسلام في وجهها، لكن لا بشكل علني صريح، ولكن أعلن مخالفته لمنشأ الاسترقاق الذي كان عليه جمهور الأمم ذلك العصر، وسدّ طريقه - شرعيّاً - ما عدا حالة الاستيلاء على المحاربين في ميدان القتال. الأمر الذي كان يخصّ الرجال المحاربين ضدّ الإسلام دون غيرهم، ولا النساء ولا الأطفال والشيوخ، ورفض رفضاً باتّاً إمكان الاسترقاق بأيّ وجه كان.

ثمّ إنّه مع ذلك جعل الطريق لتحرّرهم فسحاً وفي أنحاء وأشكال، حسبما نذكره. واتّخاذ مثل هذه الاجراءات لقطع جذور عادة جاهلية ساطية، قد اصطلحنا عليه بالنسخ التدريجي المسير مع الزمان، مما قد مهّدت أسبابه منذ البدء وعلى عهد صاحب الشريعة.

ومن هذا القبيل مسألة قوامة الرجل على المرأة بشكلها العام، بحيث تشمل ضربها ضرباً مبرحاً موجعاً! فلو كان قد نزل به الوحي، ولكن جاء تفسيره على لسان صاحب الشريعة بما يجعله هيناً في وقته، وتمهيداً لقلع جذوره على مدى الأيام:

أوّلاً: جاء تفسير الضرب بكونه غير مبرّح، أي غير شديد ولا مؤلم، فيكون ضرباً خفيفاً لا يؤلم. والضرب إذا لم يكن مؤلماً لا يكون ضرباً في الحقيقة، وإنّما هو مسح باليد مسحاً في ظرافة! ومن ثمّ جاء تقييده بأن لا يكون بسوط ولا خشب أو آلة غيرهما، ما عدا عودة السواك التي يستاك بها الرجل!

الأمر الذي يجعل من ظاهر دلالة الآية عقيمة، ويرفض سلطة الرجل على إيلام زوجته بالضرب والأذى على كلّ حال.

أخرج ابن جرير عن عكرمة - في الآية - قال: قال رسول الله ﷺ: «اضربوهنّ إذا عصينكم في المعروف، ضرباً غير مبرّح». ورواه أيضاً بإسناده عن حجاج مضيفاً إليه تفسيره «غير مبرّح» بغير مؤثّر. يعنى: لايؤثّر في تغيير لون البشرة، حتّى الحمرة.

وعن عطاء قال: قلت لابن عبّاس: ما الضرب غير المبرّح؟ قال: بالسواك ونحوه.

وعن قتادة: ضرباً غير مبرّح أي غير شائن. ٢

والشّين: العيب، أي لا يوجب عيباً.

ومن ثَمّ قال الشيخ أبو جعفر الطوسي ؒ: وأمّا الضرب فإنّه غير مبرّح، بلا خلاف. ٣

قال الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام): هو بالسواك. ٤

قال القاضي ابن البرّاج الطرابلسي ؒ: وأمّا الضرب فهو ضرب تأديب، كما يضرب الصبيان على الذنب، ولا يضربها ضرباً مُبَرّحاً ولا مزمناً ولا مدمياً ويفرّقه على بدنها ويتّقي وجهها. وإذا ضربها كذلك فليكن بالمسواك. وذكر بعض الناس (من فقهاء العامّة) أنّه يكون بمنديل ملفوف أو دِرّة، ولا يكون بخشب ولا سوط. ٥

المبَرّح: الشديد الموجع. والمزمن: من الزمانة، وهي العاهة، أي العيب والنقص. والمدمي: المؤثّر في ظهور الدم على البشرة ولو بالخراش.

والدِرّة: نوع من السياط، لا توجع ولا تؤلم. وتُصنع من الخرق، وهي تشبه المنديل الملفوف.

وقال في موضع آخر: وإذا نشزت المرأة على زوجها، جاز له أن يهجرها في المضاجع وفي الكلام، ويضربها ولا يبلغ بضربها حدّاً ولا يكون ضرباً مبرّحاً، ويتوقّى وجهها. ولا يهجرها بترك الكلام أكثر من ثلاثة أيّام. ٦

جاء في فقه الرضا: والضرب بالسواك وشبهه ضرباً رفيقاً ٧ أي برفق.

وفي جامع الأخبار للصدوق عن النبي ﷺ: «إنّي أتعجّب ممّن يضرب امرأته وهو بالضرب أولى. لا تضربوا نساءكم بالخشب فإنّ فيه القصاص، ولكن اضربوهنّ بالجوع والعريّ، حتّى تريحوا في الدنيا والآخرة». وجاء في آخر الحديث: «احفظوا وصيّتي في أمر نسائكم حتّى تنجوا من شدّة الحساب، ومن لم يحفظ وصيّتي فما أسوء أحاله بين يدي الله». ٨

وفي هذا الحديث صراحة بأنّ المراد من الضرب في الآية هو التأديب، ولكن لا بالعصا والسوط - كما يُفعل مع البهائم - ولكن بالتضييق في المطعم والملبس ونحوهما. وهذا أوفق بتعديل المعيشة معها.

وثانياً: النهي عن ضربهنّ، والتشديد على المنع، منعاً يجعل المتخلّف من شرار الأمة وليس من خيارهم!

جاء في الحديث: إنّ نساء أثيراً من أزواج أصحاب رسول الله ﷺ أطافن ببيوت آل الرسول يشكين أزواجهنّ - حيث رأوا إباحة ضربهنّ - فقال رسول الله: «ليس أولئك خياركم». ٩

وأخرج ابن سعد والبيهقي بالإسناد إلى أمّ كلثوم بنت أبي بكر قالت: كان الرجال نُهوا عن ضرب النساء، ثمّ شكوهنّ إلى رسول الله ﷺ فأجاز لهم ضربهنّ، ولكنّه ﷺ أضاف قائلاً: «ولن يضرب خياركم». ١٠

وفي رواية ابن ماجة:... فلمّا أصبح رسول الله ﷺ قال: «لقد طاف بآل محمّد سبعون امرأة، كلّ امرأة تشتكي زوجها! فلا تجدون أولئك خياركم». ١١

وأخرج عبدالرزاق عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب العبد، يضربها أوّل النهار ثم يضاجعها آخره». ١٢

قالت عائشة: ما ضرب رسول الله ﷺ خادماً له ولا امرأة ولا ضرب بيده شيئاً. ١٣

ولم يؤثر عن أحد من الأئمة المعصومين (عليهم السلام) الأطهار ولا من الصحابة الأخيار والتابعين الأبرار أن واجهوا نساءهم بغضاضة فضلاً عن الضرب واللطم. بل كانت شيمتهم العفو والغفران، كما مرّ في حديث الإمام الصادق عن أبيه الإمام الباقر (عليهما السلام). ١٤

وثالثاً: التوصيات الأكيدة بشأن المرأة والتحفّظ على كرامتها والأخذ بجانبها في عطفٍ وحنانٍ ورأفةٍ ورحمة، بعيداً عن الغلظة والشدّة، بل حتّى مؤاخذتها على ما فرط منها ما سوى العفو والغفران.

جاء في رسالة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى ابنه الحسن (عليه السلام): «... فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، ولا تَعْدُ بكرامتها نفسها...». ١٥ أي خذ بكرامتها، ولا تجعلها بحيث تضطرّ إلى أن تستشفع بآخر، فلتكن كرامة نفسها لديك هي الشفيعة لها دون غيرها. وجاء في رواية الكليني: «واغضض بصرها بسترك، واكففها بحجابك، ولا تطمعها أن تشفع بغيرها...». ١٦

وروى الكليني بإسناده إلى الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) فيما ذكر من حقوق المرأة على زوجها قال: «وإن جهلت غفرلها» وزاد: «كانت امرأة عند أبي (الإمام الباقر (عليه السلام)) تؤذيه فيغفر لها». ١٧

وفي وصيّة الإمام لابنه محمد ابن الحنفية ما يشبه وصيّته لابنه الحسن، وزاد: «فدارها على كلّ حال وأحسن الصحبة لها ليصفوا عيشك». ١٨

وأوصى الإمام الصادق (عليه السلام) يونس بن عمّار بالإحسان إلى زوجته، فسأله: وما الإحسان؟ قال: «... واغفر ذنبها...». ١٩ وفي حديث: «داووا عيّهن بالسكوت». ٢٠ وفي لفظٍ آخر: «استروا العيّ بالسكوت». ٢١

وقال: قال رسول الله ﷺ: «مازال جبرائيل يوصيني بالمرأة، حتّى ظننت أنّه لا ينبغي طلاقها إلاّ من فاحشة مبيّنة». ٢٢

وروى الصدوق بإسناده إلى الصادق (عليه السلام) قال: «رحم الله عبداً أحسن فيما بينه وبين زوجته، فإنّ الله عزّوجلّ قد ملّكه ناصيتها وجعله القيّم عليها». ٢٣ وجاء في الحديث السابق تفسير الإحسان بالغضّ عنها والستر عليها.

وقد فسّر القاضي ابن البرّاج القيمومة هنا بالقيام بحقوقها التي فرض الله لها على الزوج. قال: وقال تعالى «الرّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النّساء». ٢٤ يعني: أنّهم قوّامون بحقوق النساء التي لهنّ على الأزواج. ٢٥ وهذا هو معنى قوله تعالى: «وعاشِروهُنّ بالمَعْرُوفِ». ٢٦ ويتأكّد بقوله تعالى: «ولَهُنّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنّ بالمَعْرُوفِ». ٢٧ قال ابن البرّاج: يعني أنّ لكلّ واحدٍ منهما ما عليه لصاحبه، يجمع بينهما من حيث الوجوب. ٢٨

وقد لعن رسول الله ﷺ مَن ضيَّع حقوق امرأته ولم يراع جانبها. قال: «ملعون ملعون من يضيّع من يعول». ٢٩ وفي حديث آخر: «كفى بالمرء هلاكاً أن يضيّع مَن يعول». ٣٠ وقال ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». ٣١

وقال: «خيركم خيركم لنسائه، وأنا خيركم لنسائي». ٣٢

وأخرج الترمذي وصحّحة والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن الأحوص، أنّه شهد حجّة الوداع مع رسول الله ﷺ قام وخطب، وفيما قال في خطبته: «ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنّما هنّ عوان عندكم، ليس تملكون منهنّ شيئاً غير ذلك إلاّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ، فإن فعلن فاهجروهنّ في المضاجع واضربوهنّ ضرباً غير مبرّح». ٣٣

قوله: «عوان عندكم» يعني: إنّهنّ قد قضين عندكم عُمراً وفقدن ريعان شبابهنّ عندكم.

قال رسول الله ﷺ: «خياركم خياركم لنسائهم». ٣٤ وقال: «ومَن اتّخذ زوجة فليكرمها». ٣٥

وفي رواية أبي القاسم بن قولوية عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «مَن اشتدّ لنا حبّاً اشتدّ للنساء حبّاً». ٣٦ وفي كتاب النوادر للراوندي: قال رسول الله ﷺ: «أعطينا أهل البيت سبعة لم يُعطهنّ أحدٌ كان قبلنا - وعدّ منها -: والمحبّة للنساء».

وفيه أيضاً: قال رسول الله ﷺ: كُلّما ازداد العبد إيماناً ازداد حبّاً للنساء. ٣٧

والمراد بالحبّ في مثل هذه الأحاديث: الإشفاق والإرفاق والموادّة والتحفّظ على كرامة المرأة على مستواها الإنساني الرفيع، وليس النظر إلى جانب الشهوة، كلاّ وحاشا.

وفي حديث الحولاء جاءت إلى النبي ﷺ تسأله عن حقّ الرجل على المرأة، وعن حقّ المرأة على الرجل - إلى أن قالت: - فما للنساء على الرجال؟ قال رسول الله ﷺ: «أخبرني أخي جبرائيل، ولم يزل يوصيني بالنساء حتّى ظننت أن لا يحلّ لزوجها أن يقول لها: أفّ! يا محمّد، اتّقوا الله عزّوجلّ في النساء، فإنّهنّ عوان بين أيديكم، أخذتموهنّ على أمانات الله - إلى أن قال - فاشفقوا عليهنّ وطيّبوا قلوبهنّ حتّى يقفن معكم، ولا تكرهوا النساء ولا تسخطوا بهنّ». ٣٨

وروى الصدوق في كتابه «علل الشرائع» و«الأمالي» بالإسناد إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «فداروهنّ على كلّ حال، وأحسنوا لهن المقال، لعلّهنّ يحسنّ الفعال». ٣٩

وعن الصادق عن أبيه (عليهما السلام): «من اتّخذ امرأة فليكرمها، فإنّما امرأة أحدكم لعبة، فمن اتّخذها فلا يضيّعها». ٤٠

وبعد، فإنّ المتحصّل من تلكمُ الأحاديث المتوفّرة أنّ للمرأة كرامتها الإنسانية الرفيعة، وعلى المرء أن يحافظ على كرامتها ولا يُشينها ولا يُهينها، ويُحسن المعاشرة معها، ويجعل نفسه ونفسها شريكين متوازيين في إدارة شؤون الحياة العائلية، بتوزيع المسؤوليات توزيعاً عادلاً، ولا يكرهها على شيء، بل يستميل خاطرها ويستميح جانبها، ويعاشرها برفقٍ ومداراة، فإنّها ريحانة وليست بقهرمانة. وإذا رأى منها زلّة غضّ بصره عنها، وإذا أحسّ الشقاق واللجاج أحسن المداراة معها ليستميح خاطرها المرهف الرقيق. فلا يغلظ ولا يحتدّ معها، فإنّهنّ عوانٌ (خاضعات) لكم، فاشفقوا عليهنّ وطيّبوا قلوبهنّ، حتّى يقفن معكم، ولا تكرهوهنّ ولا تسخطوا بهنّ - كما مرّ في الحديث النبوي - فداروهنّ على كلّ حال، وأحسنوا لهنّ المقال، لعلّهنّ يحسنّ الفعال - كما مرّ في كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام). فمن اتّخذ زوجة فليكرمها، فإنّما هي لعبة، فمن اتّخذها فلا يضيّعها كما قال الإمام الصادق (عليه السلام).

وأمّا الضرب، فقد مُنع منه منعاً باتّاً، إلاّ إذا كان غير مبرّح ولا شائن، والأولى أن يكون تأديباً عن طريق التضييق عليها في الإنفاق، لا الضرب باليد ولا بالعصا.

والأولى من ذلك ترك الضرب ألبتة اقتداءً بالنبيّ الأكرم والأئمة المعصومين عليهم صلوات المصلّين. «لَقَد كانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً». ٤١

ومن ترك هذه الأسوة الحسنة لم يكن متّبعاً لنبيّ الإسلام. «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُوني يُحْبِبْكُمُ اللهُ». ٤٢

وخياركم خياركم لنسائهم، والنبيّ خير الناس لنسائه. ألا ومن ضرب امرأته أو لطمها فهو أحقّ بالضرب واللطم، ولم يكن من خيار الأمّة، ولعلّه من شرارهم، والعياذ بالله. ذلك أنّها إذا فعلت أمراً فلعلّها من جانب غلبة العاطفة عليها، وهي جيّاشة. أمّا الرجل فلماذا يسترسل قيادته لأحاسيس عابرة، ولا يستسلم للعقل الرشيد، فهو أولى بالضرب والتأديب. وعلى أيّ حال فهو ليس من خيار الأمّة، ممّن تربّوا على منهج التربية الإسلامية الرفيعة.

ونتيجة على ذلك: كانت الآية بظاهرها المطلق منسوخة نسخاً تمهيديّاً، كان الناسخ لها تلك التوصيات الأكيدة بشأن المرأة، والأخذ بجانبها والحفاظ على كرامتها. وكذا المنع عن ضربها على أيّ نحوٍ كان إلاّ ما لا يعدّ ضرباً، وهو بالعطف والحنان أشبه منه إلى الإيلام. وهكذا عَمِلَ الرسولُ وكبراءُ الأمّة، ممّن أمرنا باتّباعهم على كلّ حال.

إذن، فالأخذ بظاهر إطلاق الآية أخذٌ بظاهر منسوخ، ومخالفة صريحة لمنع الرسول وتوصياته البالغة، وكذا الأئمة الطاهرين من بعده.

============

الهوامش:

١- النساء ٤: ٣٤.

٢- جامع البيان، ج ٥، ص ١٤٤ والدرّ المنثور، ج ٢، ص ٥٢٢-٥٢٣.

٣- وهذا يعنى أنّ هذا التفسير «ضرباً غير مبرّح» مجمع عليه عند الفقهاء.

٤- تفسير التبيان، ج ٣، ص ١٩١

٥- المهذّب، ج ٢، ص ٢٦٤

٦- المصدر، ص ٢٣١

٧- بحار الأنوار، ج ١٠١، ص ٥٨، رقم ٧. باب النشوز والشقاق.

٨- المصدر، ج ١٠٠، ص ٢٤٩، رقم ٣٨ عن جامع الأخبار، ص ١٥٧ - ١٥٨. طبع النجف.

٩- الدرّ المنثور، ج ٢، ص ٥٢٣

١٠- سنن ابن ماجة، ج ١، ص ٦١٢، باب ٦٢٥، رقم ٢٠١٠

١١- الدرّ المنثور، ج ٢، ص ٥٢٣

١٢- أخرجه ابن ماجة، ج ١، ص ٦١٢، رقم ٢٠٠٩

١٣- الكافي، ج ٥، ص ٥١٠، رقم ١

١٤- المصدر

١٥- نهج البلاغة، باب الكتب، رقم ٣١، ص ٤٠٥

١٦- الكافي، ج ٥، ص ٥١٠، رقم ٣ وصحّحناه على النهج

١٧- المصدر، رقم ١.

١٨- من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ٣٦٢، رقم ١٧٢٤/١٣، باب ١٧٨ (النوادر).

١٩- الكافي، ج ٥، ص ٥١١، رقم ٤

٢٠- بحار الأنوار، ج ١٠٠، ص ٢٥١، رقم ٤٨ عن أمالي الشيخ الطوسي، ج ٢، ص ١٩٧

٢١- المصدر، ص ٢٥٢، رقم ٥٠ عن الأمالي للطوسي، ج ٢، ص ٢٧٦

٢٢- المصدر، ص ٢٥٣، رقم ٥٨

٢٣- من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ٢٨١، رقم ١٣٣٨

٢٤- النساء ٤: ٣٤

٢٥- المهذّب، ج ٢، ص ٢٢٥

٢٦- النساء ٤: ١٩.

٢٧- البقرة ٢: ٢٢٨.

٢٨- المهذّب، ج ٢، ص ٢٢٥.

٢٩- من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ١٠٣، رقم ٤١٧

٣٠- دعائم الإسلام للقاضي نعمان المصري، ج ٢، ص ١٩٣، رقم ٦٩٩.

٣١- من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ٣٦٢، رقم ١٧٢١.

٣٢- المصدر، ص ٢٨١، رقم ١٣٣٩؛ ووسائل الشيعة، ج ٢٠، ص ١٦٧-١٧١، باب ٨٦ و ٨٧ و ٨٨ من أبواب مقدّمات النكاح.

٣٣- الدرّ المنثور، ج ٢، ص ٥٢٣.

٣٤- بحار الأنوار، ج ١٠٠، ص ٢٢٦، رقم ١٥ عن كتاب الأمالي للطوسي، ج ٢، ص ٦

٣٥- مستدرك الوسائل، ج ١٤، ص ٢٥٠، رقم ٢، باب ٦٦ من أبواب مقدمات النكاح

٣٦- السرائر لابن إدريس، ج ٣، ص ٦٣٦. وراجع: البحار، ج ١٠٠، ص ٢٢٧، رقم ٢٠

٣٧- نوادر الراوندي، ص ١١٤

٣٨- مستدرك الوسائل، ج ١٤، ص ٢٥٢، رقم ٢، باب ٦٨ من أبواب مقدّمات النكاح

٣٩- بحار الأنوار، ج ١٠٠، ص ٢٢٣، رقم ١ عن علل الشرائع، ص ٥١٣؛ والأمالي للصدوق، ص ٢٠٦

٤٠- المصدر، ص ٢٢٤، رقم ٥

٤١- الأحزاب ٣٣: ٢١

٤٢- آل عمران ٣: ٣١

المصدر: شبهات وردود

2026/04/06

مات في الـ 40 وآخر في الـ 80.. لماذا تختلف أعمارنا.. أين العدل الإلهي؟!

السؤال: لماذا أعمار الناس متفاوتة، فنرى شخصاً يعيش خمسين سنة وآخر يعيش أربعين وثالثاً يعيش ثمانين؟ أين يكمن العدل الإلهي؟ فالدنيا كما نسمع دار ابتلاء واختبار، فمثلاً لو كان لدينا طالبان في قاعة واحدة وقام المدرس بالتمييز في الوقت، فأعطى أحدهما ثلاثين دقيقة للإجابة والآخر ستين، فأين يكمن العدل في هذه الحالة؟

[اشترك]

الجواب من سماحة الشيخ حيدر السندي:

لكي يتضح جواب هذا السؤال وينكشف عدم التنافي بين تفاوت أعمار الناس وعدل الله تعالى، أذكر أموراً:

الأمر الأول: إن الله تبارك وتعالى جعل الدنيا دار امتحان، وهي كما في النصوص مزرعة للآخرة، وقد بيّن الله تبارك وتعالى أن مصير الإنسان إما أن يكون إلى الجنة حيث النعيم، وإما أن يكون إلى النار. غير أن ما يجب أن نلتفت إليه هو أنه ليس من اللازم على الله تبارك وتعالى أن يخلق الخلق، كما أنه إذا خلق خلقه لا يجب عليه أن يدخلهم الجنة، فضلاً عن أن يجب عليه إدخالهم درجة خاصة منها كالدرجة العالية أو المتوسطة.

ولو قال شخص بوجوب أن يدخل الله تبارك وتعالى المطيع الجنة من جهة أن المطيع قام بفعل الطاعة ويستحق عليها أن يكون من أهلها، كان جوابه أن العبد المطيع ملك لله، فهو وفعله لله، والله تبارك وتعالى خلقه من العدم، ولولاه تعالى لم يستطع أن يفعل أي فعل. فالطاعة لا تعني أن العبد يعطي الله شيئاً يستحق عليه مقابلاً، وإنما الثواب تفضل من الله على المطيعين؛ لأنه سبحانه لم يأمر العباد بالطاعة قياماً بحقه عليهم كخالق مالك متفضل فحسب، وإنما أمرهم لمصلحة ترجع إليهم، وجعل لهم على ذلك أجراً وثواباً يوم القيامة، وهو تبارك وتعالى ألزم نفسه بوعد أن يثيب المطيع.

الأمر الثاني: إذا كان الثواب من الله تبارك وتعالى وفاءً بوعده للمطيع على أن يعطيه بقدر طاعته، لم يحكم العقل بوجوب أن يُبقي الله تبارك وتعالى العبد في الدنيا إلى عمر خاص لكي يترتب ثواب خاص. وذلك لأن أصل إيجاد العبد في الدنيا ليس واجباً عليه تعالى، كما أن إبقاء العبد فيها لمدة محددة ليس واجباً؛ لأن العبد لا يملك على الله تبارك وتعالى أن يخلقه في الدنيا أو أن يُبقيه فيها. كما أن وعد الله تبارك وتعالى بالثواب على الطاعة لا يُلزمه بإبقاء العبد مدةً يتمكن فيها من فعل الطاعة المحققة للرتبة العالية من الجنة؛ فإن غاية ما يقتضيه وعد الله بإثابة المطيع هو أن العبد لو أطاع استحق على طاعته ثواباً من باب وجوب الوفاء بالوعد، ولا يقتضي الوعد وجوب أن يحفظ الله تبارك وتعالى المطيع مدة من الزمن يعمل فيها كأن يُبقيه ثمانين سنة أو مئة سنة.

ويمكن أن نقرب هذا بالمثال التالي: لو أن شخصاً يملك مصنعاً للطابوق ويريد أن ينقل بعضه من مكان إلى آخر، فقال للناس من حوله: من ينقل لي هذا الطابوق أعطيه على كل قطعة درهماً؛ كان الواجب عليه أن يعطي دراهم على عدد ما نُقل، ولا يجب عليه بعد أن جعل جُعلاً للنقل أن يحفظ حياة وقدرة كل شخص ينضم إلى العاملين؛ لأن غاية ما تقتضيه الجُعالة هو استحقاق العامل بعد العمل للمقابل بمقدار عمله، ولا تقتضي حفظ حياته وقدرته على العمل. وكذلك الحال في وعد الله تبارك وتعالى لمن يقوم بالأعمال الصالحة، فإنه لا يترتب عليه وجوب أن يحفظ الله حياة المكلفين أو قدرتهم، فله تبارك وتعالى أن يجعل الناس خاضعين لقوانين عالم الدنيا وسننه، ويصير عمر البعض بسبب تلك القوانين أطول من البعض الآخر، وغاية ما يجب على الله من باب وجوب الوفاء بالوعد أن يثيب كل عامل على قدر عمله.

الأمر الثالث: يتضح بما تقدم الفرق بين تكليف الله للعباد واختبارهم في نشأة الدنيا وبين الاختبارات التي تقع في المدارس والمعاهد العلمية. فإن اختبارات المدارس يُراد فيها إعطاء الطالب ما يستحقه بعد نهاية عامه الدراسي، وهو عام مشترك يتساوى فيه جميع الطلاب، فينبغي أن تكون الفرص متساوية في مقام الاختبار لتساوي الفرص المقدمة لهم من حيث الوقت ووجود الأساتذة، فمقتضى العدل أن يكون الاختبار بنحو متساوٍ ليُعرف المتفوق. أما في اختبار الله للعباد في الدنيا فإن الفرص لما لم تكن متساوية، بل يخضع كل مكلف للاختبار بمقدار ما يملك من قدرة وعلم ومجال للعمل، فإن الثواب سيكون على قدر عمله الذي مكّنه الله منه، واختباره ليس لمعرفة تفوقه على أقرانه المتفاوتين معه في الفرص، وإنما ليبلغ بحسب استعداده ما يمكنه من السعادة، ولا لوم عليه فيما قصر عنه بسبب عدم القدرة والعلم وضيق مجال العمل.

وبعبارة أخرى: ندرك أن من لم يبلغ الرتبة العالية بسبب تقصيره في الدراسة يستحق اللوم، وسر ذلك أن اختباره جاء بعد إعطائه فرصة مساوية لفرص سائر الطلاب فكان التقصير من قِبله. بينما في ثواب الله لا يُلام من مات وعمره ثلاثون سنة على عدم تحصيل ما حصّله من مات وعمره ثمانون سنة. نعم، هو يستحق الثواب بمقدار جهده وعمله، وهذا منسجم مع العدل لما بيّناه. نعم، يُلام على عدم تحصيل ما كان بإمكانه تحصيله في عمره ولم يحصّله تقصيراً، وهذه جهة أخرى تختلف عن الجهة التي نحن بصدد بيانها.

وخلاصة الكلام أن ثواب الله تبارك وتعالى على قدر عمل الإنسان الممكن له بحسب عمره، فإذا تفاوت الناس في مقدار العمل بسبب اختلاف أعمارهم لم يكن في ذلك ظلم، لأن الله تبارك وتعالى يعطيهم على قدر العمل ولا يعاقبهم على ما فات بسبب نقصان العمر وعدم القدرة.

نعم، لو مكّن الناس جميعاً من الاستمرار مقداراً معيناً من الزمن، وأعطاهم جميعاً القدرة بنحو متساوٍ محقق لمقدار معين من الثواب كجنة عدن، وكان الامتحان بعد ذلك لبيان المتفوق وتمييز المقصر مع تساوي الإمكانيات؛ كان من اللازم جعل مدة الاختبار متساوية. وهذا هو المثال الذي ينطبق على المعاهد العلمية ولا ينطبق على دار الدنيا وتكليف الله فيها؛ لأن الاختبار بالعمل فيها والمطلوب منه نجاح الإنسان بمعنى أن يعمل لنفسه بالنحو المتاح، قال تعالى: “إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا” [الإسراء: 7].

2026/03/16

هل الجنّة تحت أقدام الأمّهات حقاً؟!

المسألة: الجنَّة تحت أقدامِ الأُمهات" هل هو حديثٌ مأثورٌ عن النبيِّ الكريم (ص) أو أحد المعصومين من أهل بيته (ع)؟ وما هو المراد منه؟

الجواب من سماحة الشيخ محمد صنقور:

نعم أوردَ هذا الحديثَ الشريف القطبُ الراوندي في لبِّ اللُّباب عن النبيِّ الكريم (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: "الجنَّةُ تحتَ أقدام الأمهات" قال: وقال (صلَّى الله عليه وآله): "تحتَ أقدامِ الأمهاتِ روضةٌ مِن رياضِ الجنَّة"(1).

وورد كما في المصنَّف للصنعاني والمستدرك للحاكم النيسابوري أنَّ رجلاً جاء النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إنِّي أريدُ الغزوَ، وقد جئتُك أستشيرُك، قال (ص): هل لك مِن أُم؟ قال: نعم، قال: ألزمْها فإنَّ الجنَّة عند رجلها"(2).

وفي روايةٍ أخرى أنَّ الرجل قال: أتيتُ رسول الله (ص) فقلتُ: يا رسول الله إنِّي كنتُ أردتُ الجهاد معك، أبتغي بذلك وجهَ الله والدارَ الآخرة، قال: ويحك أحيَّةٌ أمُّك؟ قلتُ: نعم، قال: ارجع فبرَّها .. -فأعادَ عليه الطلب- فقال (ص): "الزم رجلَها فثَمَّ الجنة"(3) أي فعند رجلِها الجنَّة.

وفي لسانٍ آخر: "الزمْها فإنَّ الجنَّة تحتَ أقدامِها"(4).

[اشترك]

مفاد الحديث الشريف:

ومفاد الحديث الشريف هو الحثُّ على الخضوع والتصاغر والانقياد للأم، فالمستظهَر من أنَّ الجنَّة تحت أقدام الأم هو أنَّ محلَّ الجنَّةِ كائنٌ عند موضعِ أقدام الأم، فمَن أراد دخولها فليطأطئ وينزل عند أقدام الأُم فمِن هناك المدخلُ إلى جنَّة الله تعالى، وفي ذلك تعبيرٌ عن أنَّ طريق الدخول إلى الجنَّة يمرُّ مِن تحت أقدام الأم.

ففي الحديث الشريف كنايةٌ عن أنَّ الخضوع والانقياد للأم وسيلةٌ لدخول الجنَّة، فالجنَّة كائنةٌ تحت أقدام الأم، وعليه فلا يُتاح الوصول والدخول إليها إلا بالانحناء والنزول عند أقدام الأم، والانحناء والنزول عند الأقدام تعبيرٌ كنائي يستعملُه العرب للدلالة على الخضوع والتصاغر والانقياد، وبذلك يكون مفادُ الحديث هو الحثّ على التواضع والتكريم للأم والنزول عند رغباتها، فليس مفادُ الحديث هو الدعوة إلى أنْ يضع الرجلُ خدَّه أو جبهته عند أو تحت أقدام أمِّه، فذلك لا يظهرُ من الحديث أنَّه بصدد الدعوةِِ إليه بل الواضحُ مِن مَساق الحديث الشريف هو أنَّه بصدد الدعوة لرعاية الأم وتكريمها والاحتفاء بها وفاءً لحقِّها الكبيرِ عليه.

فمؤدَّى الحديث هو الدعوة إلى البرِّ والإحسان للأمهات مع استشعار الامتنان وإظهار التخضُّع لهن، فإنَّ ذلك هو ما يُوحيه التعبير بجعل الجنَّةِ تحت أقدامهنَّ، فلا يكفي السعيُّ لقضاء حوائجهنَّ بل يتعيَّن التواضع لهنَّ واشعارهن بالامتنان حال القضاء لحاجاتهن.

فالقضاء لحاجاتِ الأُم مع الاستعلاء عليها أو استصغارها وتوهينها لا يكون امتثالاً للحديث الشريف، وكذلك فإنَّ إظهار الاحترام للأم والتبجيل لمقامها مع التجاهل لحاجاتها لا يكون امتثالاً للحديث النبويِّ الشريف فلا يصدق الامتثال للحديث الشريف إلا بالاحسان المصاحب للتواضع والتكريم.

الهوامش:

1- مستدرك الوسائل -النوري- ج15 / ص180، جامع أحاديث الشيعة -البروجردي- ج21 / ص428.

2- المصنَّف -ابن أبي شيبة- ج5 / ص176، المستدرك على الصحيحين -الحاكم النيسابوري- ج4 / ص151.

3- سنن ابن ماجه -محمد بن يزيد القزويني- ج2 / ص930.

4- جامع الأحاديث -السيوطي- ج6 / ص75.

2025/12/13

لماذا يحتاج الله إلى وسائط بينما يوسوس الشيطان مباشرةً؟

السؤال: هناك مفارقةٌ لا أفهمها في الإسلام، لماذا يستخدم الله ملائكةً ورسلاً ومعجزاتٍ ومجاهدين وكتباً سماويةً تحتاج مفسّرين ودعاةً في توصيل رسالته، بينما يوسوس الشيطان مباشرةً للناس دون وسيط؟

الجواب:

السؤال المطروح يحمل في طيّاته نوعاً من الطرافة والنباهة، فهو يلفت النظر إلى مفارقةٍ تبدو غريبةً للوهلة الأولى: لماذا يحتاج الله إلى وسائط متعدّدة، مثل: الملائكة، والرسل، والكتب السماويّة، بينما يعمل الشيطان بطريقةٍ مباشرةٍ عبر الوسوسة؟ هذه الملاحظة تعكس تأمّلاً ذكيّاً، لكنَّها تنبع أيضاً من عدم معرفة حكمة الله في التعامل مع الإنسان وطبيعته.

وحتى تتّضح الصورة تماماً ويرتفع هذا الاستغراب، سنجيب عن السؤال بأسلوبٍ منهجيٍّ ومنظَّم، من خلال تفصيل الفكرة في نقاطٍ واضحةٍ تبيّن الفارق بين الغايات الإلهيّة ووسائلها من جهة، وأهداف الشيطان وطرقه من جهةٍ أخرى.

[اشترك]

أولًا: الإنسان: قبضةٌ من طينٍ، ونفخةٌ من روح:

إنَّ الله خلق الإنسان من طين الأرض، ونفخ فيه من روحه، قال تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 72]. فطبيعة الإنسان تجمع بين جانبين متناقضين:

1ـ جانب الطين: يمثّل الغرائز، والشهوات، والميل الطبيعيّ للأرض والمادّيات.

2ـ جانب الروح: يمثّل التطلّع إلى الكمال الأخلاقيّ والمعنويّ والسعي نحو الله تعالى.

هذه الطبيعة المزدوجة تجعل الإنسان في حالة صراعٍٍ دائمٍ بين الجانبين.

فالغرائز قريبةٌ من الإنسان، ملاصقةٌ له، ولا يحتاج إلى من يدعوه إليها، فهي تنبثق تلقائيّاً من طبيعته الطينيّة. أمّا كمالات الروح، فهي تحتاج إلى تذكيرٍ دائمٍ وجهودٍ مضاعفةٍ؛ لأنَّها تتطلّب السموّ على الغرائز والتطلّع إلى قيمٍ أعلى؛ ولهذا، كانت دعوة الأنبياء والرسل أصعب وأعمق؛ لأنها تخاطب الجانب الروحيّ الذي يحتاج إلى يقظةٍ وتنبيه.

 

وثانيًا: الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان، وجعل له إرادةً حرّةً، وقدرةً على التمييز بين الحقّ والباطل، وهو لا يريد أنْ تكون علاقة الإنسان به علاقة إكراهٍ أو إجبار، بل علاقة قائمة على الاختيار الواعيّ. قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256].

هذا التبيّن يتطلّب وسائل متعدّدة للتواصل مع الإنسان: أنبياءً ورسلاً يحملون الرسالة، وكتباً إلهيّةً توضّح التشريعات، ومعجزاتٍ تؤكّد الصدق، ودعاةً يفسّرون الرسالة ويشرحونها.

أمّا الشيطان، فهدفه الوحيد هو إغواء الإنسان وإبعاده عن طريق الحقّ، وهو يسلك طريق الوسوسة المباشرة، حيث يعتمد على إثارة الشهوات والغرائز، مستغلًّا ضعف الإنسان الفطريّ. قال تعالى: {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82-83].

هذا العمل لا يحتاج إلى وسائل معقّدة أو تعليم؛ لأن هدفه لا يقتضي سوى إثارة النزوات والدفع نحو الباطل.

وهنا نلخّص الفرق بين أهداف الله سبحانه وتعالى وأهداف الشيطان.

أهداف الأنبياء والرسل تتّسم بالسعي لهداية الإنسان نحو الكمال الروحيّ والأخلاقيّ، وتحريره من قيود الشهوات والأهواء. ومن أبرز هذه الأهداف:

1- إرشاد الإنسان إلى معرفة الله وعبادته: الهدف الأسمى هو إيصال الإنسان إلى معرفة خالقه وعبادته بوعي. قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].

2- تحقيق العدل والقسط بين الناس: الأنبياء جاؤوا لإقامة العدل ومحاربة الظلم. قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25].

3- إصلاح النفس والمجتمع: دعوة الأنبياء تستهدف تهذيب الإنسان وتطهيره من الآثام، وخلق مجتمع قائم على المحبّة والسلام. قال تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: 164].

وهذه الأهداف النبيلة تحتاج إلى وسائل تناسبها، فالإنسان بطبعه يميل إلى عبادة هواه بدل عبادة الله تعالى، كما يميل إلى الأنانيّة وظلم الآخرين، ومن هنا كان الإنسان بحاجة ماسّة ودائمة إلى من يهديه ويرشده إلى طريق الحقّ والعدل والإصلاح. ومن بين هذه الوسائل:

1- إرسال الرسل والأنبياء: الله تعالى أرسل الرسل ليكونوا قدوة للناس، وليروا فيهم مثالاً حيّاً على تطبيق الرسالة في الواقع. قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، وقال: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ...} [الممتحنة: 4]، وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ..} [الممتحنة: 6].

2- الكتب السماويّة: الكتب السماويّة هي المرجعيّة الثابتة التي تحوي التشريعات الإلهيّة والهداية، وهي وسيلةٌ للتواصل مع البشر عبر الأجيال. قال تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 10]. وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [إبراهيم: 1]. وقال: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 22].

3- إرسال الرسل بلغة القوم: الأنبياء بُعثوا بلسان أقوامهم ليكونوا أقرب لفهم الناس، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4].

4- المعجزات: المعجزات كانت وسيلةً لإظهار صدق الأنبياء وكسر الشكوك، مثل: عصا موسى، وشفاء المرضى على يد عيسى، والقرآن كمعجزة خالدة للنبيّ محمد (صلى الله عليه وآله).

5- التدرّج في الدعوة: الأنبياء استخدموا الحكمة والموعظة الحسنة، وتدرّجوا في الدعوة لإقناع الناس ورفعهم تدريجيًّا إلى مستوى الهداية. قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125].

وفي المقابل، نجد أنَّ أهداف الشيطان تتناقض تماماً مع أهداف الله تعالى، فالشيطان يهدم ولا يبني، يخرّب ولا يصلح، وهذا النوع من العمل لا يحتاج إلى أكثر من وضع المعوّقات والعراقيل، عبر الخداع والإغواء وتحريف الحقائق، قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6].

فإذا كان منهج الله قائماً على العلم والحكمة والاختيار، فإن منهج الشيطان قائمٌ على الإغواء والخداع والتضليل، ولا يحتاج الشيطان لتحقيق ذلك إلى أكثر من الوسوسة المباشرة، قال تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ} [طه: 120].

والوسوسة الشيطانيّة تركّز على الإغراء والإيهام، فهي لا تقدّم حجّةً عقليّةً أو دعوةً للخير، بل تعمل على استغلال نقاط الضعف في الإنسان، كالرغبة في الخلود أو التملّك أو حبّ الشهوات من النساء والأموال. قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14].

والشيطان ليس مُلزَماً بمراعاة إرادة الإنسان أو احترام عقله؛ ولذا لا يحتاج إلى أكثر من الوسوسة المباشرة وتحريك شهواته ورغباته، فهو يسعى لإيقاعه في الخطأ بشتى الطرق، دون أن يحتاج إلى وسائل تعليميّة أو مراحل إقناع.

كما أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل وجود الوسائط في رسالته جزءاً من اختبار الإنسان. فالإنسان مُطالبٌ بأنْ يسعى للمعرفة ويتبيّن الحقّ من الباطل من خلال العقل والتفكّر. قال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10]. وهذا يعني أنَّ الطريقين - طريق الخير وطريق الشرّ - واضحان، لكن الإنسان بحاجةٍ إلى البحث والتدبّر لاختيار الطريق الصحيح.

والوسائط في الرسالة الإلهيّة تظهر مدى استجابة الإنسان للهداية: هل يستمع للنبيّ ويتّبع الكتاب ويستفيد من المعجزات؟ أم يختار طريق التمرّد والغواية؟

فالله يدعو إلى الحقّ بالحكمة والموعظة الحسنة: يريد من الإنسان أنْ يفهم ويتدبّر قبل أنْ يؤمن. بينما الشيطان يُغوي بالخداع والاستغلال: يريد من الإنسان أنْ ينساق وراء أهوائه دون وعي أو تفكّر.

في المحصّلة، الفارق بين الله والشيطان في التأثير على الإنسان يعكس الفارق بين الحكمة والخداع. الله تعالى يدعو الإنسان إلى الخير والكمال بروحٍ تحترم إرادته وتكرّمه، عبر وسائل متعدّدة تهدف إلى الارتقاء بعقله وروحه. أمّا الشيطان، فيسلك الطريق السريع، مستغلًّا نقاط الضعف والغرائز، ليُغرق الإنسان في المادّيات ويُبعده عن هدفه الأسمى.

 
2025/12/03

الحقيقة التاريخية.. لماذا لم يؤلّف الأئمّة كتباً؟!

السؤال: الإمام لم يؤلّف كتابًا للشيعة حتى يدارسوه في زمن كان الأئمّة الكبار يؤلّفون كتبًا في مختلف الموضوعات العلميّة من الفقه واللُّغة وغيرهما. إذن أين علم الأئمّة حتى يثبتوا إمامتهم للناس؟! لماذا الشيعة عيالٌ على أهل السنّة؟

[اشترك]

الجواب:

الزعم بأنّ الشيعة "عيالٌ على أهل السنّة" في تراثهم وعلمهم ادّعاءٌ باطلٌ؛ لأنّ الشيعة لم يستقوا معارفهم من غيرهم، بل أسّسوا مدرسةً مستقلةً امتدّت جذورها إلى أهل البيت (عليهم السلام) مباشرة. والحق أنّ كثيرًا من المدارس السنيّة هي التي رجعت في أصولها العلميّة إلى الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام)، حتى إنّ كبار أئمّتهم كأبي حنيفة ومالك والشافعي كانوا على صلةٍ مباشرةٍ بأئمّة أهل البيت أو بتلامذتهم. وقد أثبت السيّد حسن الصدر في كتابه "الشيعة وفنون الإسلام"، والشيخ جعفر سبحاني في كتابه "دور الشيعة في تأسيس الحضارة الإسلاميّة" بالأدلّة التاريخيّة أنّ الشيعة كانوا السبّاقين إلى تأسيس العلوم الإسلاميّة في مختلف حقولها. ومن يطّلع على هذين الكتابين يدرك أنّ هذه الدعوى لا تعدو كونها قلبًا للحقائق التاريخيّة.

والذي غفل عنه المدّعي هو أنّ الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) لم تكن وظيفتهم أن يثبتوا إمامتهم بمصنّفات تحمل أسماءهم كما يفعل المؤلّفون في المجالات العلميّة المحدودة؛ لأنّ الإمام ليس مؤلّفًا بالمعنى المدرسيّ الضيّق، بل هو المرجع الكلّي الذي يبيّن معالم الدين، ويضع القواعد العامّة التي يسترشد بها العلماء في الفهم والاستنباط. فوظيفته هي البيان الشامل للهداية، وتبليغ ما تحتاجه الأمّة في العقيدة والشريعة والأخلاق، مع تربية العلماء والخواص ليحملوا علومه وينشروها، نظير النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فإنّ وظيفته كانت البيان والهداية والتربية وغير ذلك، ولم تكن وظيفته إثبات نبوّته بتصنيف كتابٍ، كما لم تكن وظيفته تدوين الأحكام التي جاء بها في كتاب، فلو صحّ الاستشكال بمثل هذا على الأئمّة فهو استشكال على الأنبياء أيضًا. أمّا الفقيه أو اللُّغويّ فقد يختار أن يصنّف كتابًا في بابٍ معيّنٍ؛ لأنّ نطاق عمله وعلمه محصورٌ في ذلك المجال. ومن هنا فإنّ قياس الإمام على هؤلاء مغالطةٌ في فهم الدور، إذ إنّ مقامه أوسع من مجرد التأليف الجزئيّ، بل هو الأصل الذي تفرّعت عنه جميع المصنّفات.

ومضافًا إلى ما سبق، فإنّ الظروف الأمنيّة التي عاشها الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) والرِّقابة المشدّدة على كلّ حركاتهم، مع محاولات السلطة المستمرّة لمحو ذكرهم وتشويه سمعتهم، شكّلت سببًا آخر في الاعتماد على إملاء العلوم على أصحابهم وتربيتهم على حفظها ونشرها، وقد قام تلاميذهم بالفعل بتدوين عشرات الكتب في مختلف مجالات المعرفة الإسلاميّة، حتى صار تراثهم أساسًا للمدرسة الإماميّة. ومن أراد التثبّت من ذلك فليراجع كتب التراجم والرجال التي أحصت أسماء هؤلاء التلاميذ ومصنّفاتهم.

ومن هنا تبلور التراث الشيعيّ في صورته الكبرى، حيث جُمعت تلك المصنّفات والروايات فيما بعد في الكتب الأربعة الأساسيّة (الكافي، التهذيب، الاستبصار، من لا يحضره الفقيه) وغيرها من المصادر، وهذا التراث زاخرٌ بعلوم الأئمّة في التفسير والفقه والعقيدة والآداب والأخلاق، الأمر الذي يكشف بوضوحٍ أنّ الأئمّة هم المصدر الذي يعتمد عليه العلماء في تصنيفاتهم ومؤلّفاتهم، فهم الينبوع الأوّل للعلوم والمعارف، ولولاهم لما تمكّن العلماء من تدوين هذا التراث ولا من صياغة علوم الإسلام بهذا العمق والثراء.

وفي المحصّلة، فإنّ وظيفة الإمام لا تشبه وظيفة الفقيه أو اللغويّ الذي يضع كتابًا في بابٍ محدّدٍ من أبواب العلم، بل هو المرجع الكلّي الذي يبيّن معالم الدين، ويضع القواعد العامّة، ويرشد الأمّة إلى طريق الهداية، ومن علومه تنبثق جهود العلماء الذين يأتون من بعده ليصنّفوا ويؤلّفوا فيما أفاض به الأئمّة من معارف؛ ومن هنا فإنّ قياس الإمام على الفقهاء أو اللغويّين قياسٌ باطلٌ؛ لأنّ الإمام هو الحجَّة الشاملة والوارث الكامل للعلوم الإسلاميّة، حاله في ذلك حال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يؤلّف الكتب ولا يصنّف التصنيفات.

2025/11/29

ما الدليل على عدم تحريف القرآن؟

نحن نعتقد بأنّ هناك أدلة كثيرة عقلية ونقلية تدل على عدم تحريف القرآن ، فقد قال الله تعالى في القرآن الكريم :﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ 1 ، وفي آية أخرى قال تعالى :﴿ ... وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ 2.

فإذا كان الله سبحانه وتعالى تعهد بحفظ هذا الكتاب ، أفهل يمكن أن تطال يد التحريف هذا الكتاب؟

إضافة إلى أنّ القرآن الكريم لم يكن متروكاً أو منسيّاً حتى يأتي شخص ويضيف أو ينقص منه شيئاً. فكتّاب الوحي قد ازداد عددهم من أربعة عشر إلى أربعمائة شخص ، وكانوا يقومون بتدوين وضبط كلّ آية بمجرّد نزولها ، ووصل عدد حفّاظ القرآن الكريم في عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المئات ، حيث كانوا يحفظون كلّ آية حين نزولها.

[اشترك]

وقد كانت تلاوة القرآن في ذلك الزمان من أفضل العبادات ، حيث كان يتلى ويقرأ ليلاً ونهاراً.

كما أنّ القرآن الكريم هو القانون الأساسي للإسلام والدستور العملي للمسلمين ، وحاضر في جميع جوانب حياتهم.

فالعقل يدرك أنّ مثل هذا الكتاب لا يمكن أن يقع فيه تحريف سواء من جهة الزيادة أو النقصان.

والروايات الإسلاميّة الواصلة إلينا من الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام تؤكّد على تمامية القرآن الكريم وعدم وقوع التحريف فيه. فأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام يصرح في نهج البلاغة :

«وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ (الْكِتابَ تِبْياناً) ، وَعَمَّرَ فِيكُمْ نَبِيَّهُ أَزْمَاناً ، حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ وَلَكُمْ فِيما أنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ دِينَهُ الَّذِي رَضِيَ لِنفْسِهِ»3.

وفي مواضع كثيرة من نهج البلاغة عند ما يتعرض الأمير المؤمنين عليه‌السلام للقرآن الكريم لا نجد أي حديث عن تحريف القرآن ، بل يؤكّد على تمامية القرآن بشكل واضح وصريح.

وذكر الإمام التاسع محمّد بن علي الجواد عليه‌السلام في خطابه لأصحابه حول انحراف الناس عن جادة الحق قائلاً : «وكَان مِنْ نَبذِهم الكِتَاب أن أقامُوا حُرُوفَه وحرَّفوا حُدُودَه»4.

إنّ هذا الحديث وأمثاله يشير إلى أنّ ألفاظ القرآن الكريم ظلت محفوظة ، والتحريف وقع في المعاني ، بحيث قام البعض بتفسير أو توجيه بعض الآيات طبق ميوله النفسية ومنافعه الشخصية خلافاً للواقع.

ومن هنا تتضح مسألة مهمّة وهي : أنّ الروايات التي تتحدث عن التحريف إنّما تتحدث عن التحريف المعنوي والتفسير بالرأي ، وليس التحريف في العبارات والألفاظ.

ومن جهة أخرى نلاحظ أنّ هناك روايات عديدة ومعتبرة وصلتنا عن الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام تأمر بعرض الروايات على القرآن الكريم وخصوصاً عند تعارضها ؛ لأجل معرفة الروايات الصحيحة من غير الصحيحة ، فما وافق القرآن فهو صحيح ويجوز العمل به ، وما خالفه اتركوه : «اعرِضُوهُمَا عَلى كِتابِ اللهِ فَما وَافَق كِتَاب اللهِ فَخُذُوه ، ومَا خَالَف كِتاب اللهِ فَرُدُّوه»5 ، فهذا دليل واضح على عدم وقوع التحريف في القرآن ؛ لأنّه في غير هذه الصورة لا يصبح معياراً لتشخيص الحق من الباطل.

وإضافة إلى كل هذا ، فقد ورد في حديث الثقلين المعروف والمنقول بكثرة في كتب أهل السنّة والشيعة أنّ النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول :

«إِنِّي تَاركٌ فيكم الثِّقْلَيْنِ كِتابَ اللهِ وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي مَا إنْ تَمَسَّكْتُم بِهِمَا لنْ تَضِلُّوا»6.

إنّ هذا الحديث العظيم يدلّ بوضوح على أنّ القرآن الكريم بجانب عترة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ملجأ آمن لهداية الناس إلى يوم القيامة.

فإذا كان القرآن محرّفاً فكيف يمكن أن يكون ملجأً آمناً ، وهادياً للناس من الضياع والضلال7.

كلمة أخيرة

الكلمة الأخيرة هي : أنّ أحد الذنوب الكبيرة عند الله سبحانه وتعالى هي اتهام الآخر بأمور لم يقلها ولم يفعلها.

ونحن قلنا مراراً وتكراراً وفي مناسبات عدّة : إنّه لا يوجد أحد من المحقّقين والعلماء الشيعة من يقول بتحريف القرآن ، وكتبهم تشهد بذلك ، ولكن هناك فرقة متعصبة ومعاندة ما زالت تكرر هذه التهمة ، ولا أعلم ما سيكون جوابهم يوم القيامة عن كل هذه التهم ، وعن الحطِّ من شأن القرآن الكريم واعتباره.

فإذا كانت ذريعتكم هو وجود بعض الروايات الضعيفة في بعض كتبنا ، فهي موجودة أيضاً في كتبكم ، وقد أشرنا إلى ذلك سابقاً.

ولا يوجد أي مذهب يبني أساسه على روايات ضعيفة ، ونحن لا يمكن أن نتهمكم بتحريف القرآن ؛ لأجل كتاب «الفرقان في تحريف القرآن» لابن الخطيب المصري والروايات الضعيفة التي لديكم حول تحريف القرآن ، ولن نضحّي بالقرآن لأجل العصبية المدمّرة.

لا تتكلّموا عن تحريف القرآن بهذه الطريقة ، ولا تسيئوا إلى الإسلام والمسلمين والقرآن ، لا تسقطوا اعتبار القرآن لأجل التعصب الطائفي فالقرآن الكريم رأس مال مسلمي العالم ، يجب أن لا تنطق ألسنتكم بكلمة التحريف ، ولا تعطوا الأعداء ذريعة ، فإذا أردتم الانتقام من الشيعة ومن أتباع أهل البيت عليهم‌السلام من خلال هذا الطريق ، فاعلموا أنكم ستضعّفون أساس الإسلام من حيث لا تشعرون ؛ لأنّ أعداء الإسلام سيقولون : إنّ فرقة عظيمة من المسلمين تقول بتحريف القرآن ، وهذا ظلم عظيم للقرآن الكريم.

في الختام نكرر القول : إنّه لا يوجد من يقول بتحريف القرآن بين المحقّقين شيعة وسنّة ، وإنّهم يقرّون بأنّ القرآن الذي نزل على النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله والقرآن الموجود حالياً بين المسلمين واحد ، ويعتقدون ـ كما صرح القرآن ـ بأنّ الله سبحانه وتعالى تعهد بحفظ القرآن من كل تغيير أو تحريف أو زوال. ولكن للأسف هناك بعض المتعصبين من الطرفين نسبوا التحريف لبعضهم البعض من دون وعي وعلم.

نسأل الله لهم الهداية جميعاً8.

الهوامش:

  1. 1. القران الكريم: سورة الحجر (15)، الآية: 9، الصفحة: 262.
  2. 2. القران الكريم: سورة فصلت (41)، الآية: 41 و 42، الصفحة: 481.
  3. 3. نهج البلاغة ، الخطبة ٨٥.
  4. 4. اصول الكافي ، ج ٨ ، ص ٥٣.
  5. 5. وسائل الشيعة ، ج ١٨ ، ص ٨٠.
  6. 6. بحار الأنوار ، ج ٣٦ ، ص ٣٣١.
  7. 7. للمزيد من التوضيح يراجع كتابنا «أنوار الأصول» ، ج ٢ ، ص ٣٤٠ فصاعداً.
  8. المصدر: الشيعة شبهات وردود، لسماحة آية الله الشيخ مكارم الشيرازي دامت بركاته.
2025/11/11

الغائب سيعود والمريض سيموت.. ما المقصود بـ «التفأل بالقرآن»؟

لماذا استشكل بعضُ الفقهاء بما يُسمَّى بالتفاؤل بالقرآن, وهل توجد طريقة تُسمَّى (بالاستفتاح) بالقران؟

الجواب من سماحة الشيخ محمد صنقور:

النهي عن التفأّل بالقرآن:

[اشترك] 

المنشأ هو ما ورد في كتاب الكافي للكليني عن الإمام الصادق (ع) قال: "لا تتفأل بالقرآن"(1).

معنى التفأل المنهي عنه:

والمراد من النهي عن التفأل بالقرآن كما أفاد العلماء رضوان الله عليهم هو استشراف الغيب بواسطة الملاحظة لآيات القرآن، بأنْ يفتح أحدُهم القرآن فيستنبط منه أنَّ زيدًا المريض سوف يُشفى من مرضه أو أنَّه سيموت أو أنَّ غائبًا سيعود من سفره أو أنَّ مَن سرق الدار كان طويلاً أو أنَّ السارق لها صبيٌّ أو امرأة أو يستنبط منه أنَّه سوف يربح في تجارته أو أنَّ رزقًاً واسعًا سوف يجنيه أو أنَّ شرًا عظيمًا سوف يقعُ عليه أو أنَّه سُيكفي غائلته وهكذا.

فالتفألُ بالقرآن يعني استخبار آياتِ القرآن للوقوف على المغيَّبات سواءً ما وقع منها أو ما سيقعُ في مستقبل الزمان، وهذا المعنى هو المنهي عنه ظاهرًا من الرواية الواردة عن الإمام الصادق (ع).

وثمة احتمالٌ آخر لمعنى الرواية أفاده العلامة المجلسي صاحب البحار(2) حاصلُه أنَّ المراد من النهي عن التفأل بالقرآن هو اتِّخاذ آيات القرآن وسيلة للتفاؤل أو التطيُّر والتشاؤم، وذلك بأنْ اذا سمع أو قرأ آيةً من القرآن اتِّفاقًا وكان فيها وعدٌ بخير استبشر وحدَّث نفسه بأنَّ خيرًا سوف ينالُه، واذا سمع أو قرأ آيةً من القرآن اتِّفاقًا وكان فيها وعيد أو ذكْرٌ لبعض أسماء الظالمين كفرعون وقارون أو ذكرٌ لأسماء بعض الحيوانات كالحمار أو الكلب تشاءم وتطيَّر وحدَّث نفسه أنَّ شرًاً سوف ينالُه.

كما كان يفعل العرب، فهُم -مثلاً- اذا اتَّفق لأحدِهم أنْ صادف في أول النهار غرابًا تشاءم، واذا صادف المريض رجلاً وكان اسمه سالمًا تفاءل به وحدَّث نفسه أنَّه سوف يسلم ويُشفى من مرضه. 

وكذلك إذا صادف أحدُهم رجلاً قبيح المنظر أو صادف رجلاً حسن الوجه.

فالنهي عن التفأل بالقرآن بناءً على هذا الاحتمال معناه النهي عن اتِّخاذ آيات القرآن وسيلةً لاستشعار السعد أو النحوسة.

ولا يبعد أنَّ كلا المعنيين مرادٌ من النهي الوارد عن الإمام الصادق (ع).

ولعلَّ منشأ النهي عن التفأل بالقرآن الكريم هو أنَّ ذلك قد يُفضي إلى سوء الظن بالقرآن الكريم، إذ أنَّ المُستنبِط للمغيَّبات من آياتِه أو المتفائل بالخير من سماع آيةٍ من آياته لو وقع خلافُ من استنبطه أو تفاءلَ به فإنَّه قد يتَّهم القرآن فيهلك لذلك، فالتفألُ بالخير بالمعنى الثاني وهو الاستبشار وتحديث النفس بالصالح من الأمور وإنْ كان مباحًا في نفسه إلا أنَّه ينبغي أن لا يكون بالقرآن حتى لا يكون القرآن في معرض الاتِّهام وإساءة الظن، وأمَّا المعنى الأول فهو من الرجم بالغيب.

الفرق بين التفأّل والاستخارة:

والتفأل مختلفٌ عن الاستخارة، وذلك لأنَّ الاستخارة ليس شيئًا آخر غير الدعاء بطلب الخير والتوفيق لما فيه الصلاح، وهي لا تقعُ إلا على الأمور المباحة بأن يتخيَّر الإنسان أحد فعلين مباحين أو أكثر فيسأل الله تعالى أن يوفِّقه لاختيار أصلحهما إليه، فقد يستجيبُ اللهُ تعالى دعاءه، وقد تقتضي حكمتُه أن لا يُجيب دعاءه، واذا استجاب لدعائه فوفَّقه لاختيار ما فيه صلاحه فانَّه ليس من الضروري أنْ يكون صلاحه فيما يرغب فقد يوفِّقه لاختيار أمرٍ عاقبته غير مرغوبة للإنسان ولكنَّ صلاحه يكون في ذلك الأمر.

فحينما يقع الإنسان في غير ما يرغب وكان ذلك نتيجة اختياره لما وقعت عليه الخيرة فإنَّه ينبغي أنْ لا يُسيء الظنَّ بربِّه فلعلَّ صلاحَه كان فيما وقع عليه من الأمر غير المرغوب أو لعلَّ ذلك نشأ عن عدم استجابةِ اللهِ تعالى لدعائه.

والمتحصَّل أنَّ المنهيَّ عنه هو التفأل بالقرآن بالمعنى الذي ذكرناه، وأمَّا الاستخارة فهي غير مشمولة ظاهرًا للنهي الوارد عن الإمام الصادق (ع).

لا دليل على رجحان التفأّل:

هذا وقد أورد السيد ابن طاووس في كتابه فتح الأبواب ما قد يُتوهَّم منه رجحان التفأل بالقرآن، فقد نقل عن الخطيب المستغفري أنَّه اذا أردت أنْ تتفأل بالقرآن فاقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرَّات ثم صلِّ على النبيِّ (ص) ثلاثًا ثم قل: (اللهم انِّي تفألتُ بكتابك وتوكلتُ عليك فأرني من كتابك ما هو المكتوم من سرِّك المكنون في غيبك ثم افتح الكتاب وخذ الفال من الخطِّ الأول في الجانب الأول). ثم أفاد انَّ ذلك واردٌ عن النبي (ص)(3).

إلا أنَّ هذا الذي نقله السيِّدُ ابن طاووس (رحمه الله) مضافًا إلى ضعفه السندي فإنَّه غير مذكورٍ في شيءٍ من أصولنا الروائية أو الفقهيَّة على أنَّ من الممكن حمله على إرادة الاستخارة، فلا ظهور له في إرادة التفأل بالقرآن بالمعنى الذي ذكرناه.

الهوامش:

1- الكافي -الشيخ الكليني- ج2 / ص629، وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج6 / ص233 / باب 38 من أبواب قراءة القرآن ح1.

2- بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج88 / ص244.

3- فتح الأبواب -السيد ابن طاووس- ص156.

2025/11/06

هل عُرض كتاب الكافي على الإمام المهدي (ع)؟!

هل صحيح أن كتاب الكافي معروض على الامام المهدي؟

نص الشبهة: يعتقد بعض علماء الشيعة بأنّ كتاب « الكافي » للكليني فيه الصحيح والضعيف والموضوع ، ومن المقرّر بين الشيعة أنّ هذا الكتاب قد عُرض على الإمام المهدي (عجل الله فرجه) فقال : « إنّه كاف لشيعتنا » .

الجواب: يعدّ كتاب الكافي كتاباً قيّماً ومهمّاً للعالم الإسلامي ، لأنّه يحتوي الروايات الصحيحة في باب المعارف والأحكام ، ولكن في نفس الوقت هو ـ على خلاف غلوّ السلفيّين الذين يعتقدون أنّ صحيحي البخاري ومسلم لا يوجد فيهما أيّ حديث ضعيف أو موضوع ـ لا يخلو من الروايات الضعيفة ، وفي هذه دلالة على واقعيّة علماء الشيعة وموضوعيّتهم .

[اشترك]

وأمّا ما جاء في ذيل السؤال من أنّ علماء الشيعة يقولون : إنّ هذا الكتاب عُرض على الإمام المهدي (عجل الله فرجه) ، فهذا ليس إلاّ افتراءً محضاً ، بل قول نسب إلى البعض وأنكره كثيرون فكيف يستدل بقول لم يعلم قائله ضد جمهور الشيعة .

أضف إلى ذلك انّ هذا الحديث لا يصح على إطلاقه لأنّنا قد أمرنا بالعمل بالكافي حسب الضابطة الّتي ذكرها الكليني في مقدمة الكتاب من عرض الروايات على كتاب الله فما خالفها يطرح .

فعلى ضوء هذه الضابطة يكون الكافي كافياً للشيعة ولا يعني ذلك صحة جميع رواياته 1 .

 

*هذه الإجابة نُشرت على الموقع الالكتروني الرسمي لسماحة آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني دامت بركاته ، السؤال (163) .

2025/09/21

هل كل ابتلاء ومصيبة بسبب ذنب نرتكبه؟!

إن مسألة الابتلاء والمصائب التي تعترض حياة الإنسان من القضايا المهمة التي تشغل فكر الكثيرين، وقد يتساءل البعض عن علاقة ذلك بعدالة الله تعالى، خاصة عندما يُبتلى الإنسان بظروف أسرية صعبة أو يُولَد في بيئة غير مناسبة.

إن كون الإنسان مذنباً أو ولادته في أسرة معينة لا علاقة له بعدالة الله تعالى أبداً، فالله سبحانه قد أوضح للبشرية جميعاً طرق الخير والسعادة، وميّز لهم الهداية من الضلال تأسياً بالمعصومين (عليهم السلام).

كما أن الله تعالى قد وضع العقل في باطن الإنسان ليستطيع به أن يُشخّص سبل الخير من الشر، فهو يملك القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ.

فإذا ترك الإنسان - مع أن الله تعالى لم يقصّر في هداية البشرية - جميع وسائل الهداية والسعادة، وابتعد عن الطريق الواضح والمستقيم، وتحرك في طريق الانحراف والضلال وسار نحو الظلام والهلاك المعنوي، وولد له ولد وهو في هذه الأجواء، فما ارتباط ذلك كله بعدالة الله تعالى؟

[اشترك]

فالله عز وجل قد هيأ لنا جميع وسائل الهداية، غاية الأمر أن بعض الناس يستفيد من هذه الوسائل ويسير بحسب اتجاهه الفطري، والبعض الآخر يسير في طريق الضلال، وكل منهما يسير في طريقه باختياره الذي أعطاه الله تعالى له. وفي هذه الأثناء من يعيش في مثل هذه الأسر يمكنه أن يغير من مصيره ويتوجه نحو البراءة والسعادة والنزاهة.

وعلى أي حال، ليس هناك إنسان مبتلى وحده، بل كل شخص في هذه الدنيا هو مبتلى بنوع من البلاء.

أسباب البلاء

طبقاً للآيات القرآن الكريم وروايات أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام)، فإن المصائب التي تجري على المؤمنين إما بسبب أعمالهم أو أنها امتحان إلهي لرفع درجاتهم عند الله.

أولاً: نتيجة الذنوب

قد يرتكب الإنسان بعض الذنوب والأخطاء فتكون سبباً لأن تظهر على شكل مصائب وبلايا في الحياة الدنيا. كل ذنب له آثار خاصة، فبعض الذنوب توجب الفقر، وبعضها تجلب البلاء كما قال الإمام علي (عليه السلام) في دعاء كميل: "اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تغير النعم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل البلاء".

وعلى أي حال، فإن هذه المصائب تكفر عن المؤمن ذنوبه، وحيث أن الله يحب عبده المؤمن فيبتليه ببعض المصائب كي يكفر عنه ذنوبه في هذه الدنيا ويأتي يوم القيامة خالياً من الذنوب، وهذا هو لطف من الله تعالى بالنسبة إلى عبده. أما من كان من المغضوب عليهم فنجد أن الله تعالى غالباً يسبغ عليه نعمه كي يستدرجه ويبتليه بعذاب جهنم وساءت مصيراً.

ثانياً: الامتحانات الإلهية

تنزل المصائب والبلايا أحياناً لأجل الامتحان الإلهي. من جملة سنن الله تعالى وقوانينه الثابتة هو ابتلاء وامتحان المؤمنين، كما جاء في القرآن الكريم من الآيات الكثيرة بشأن ذلك، على سبيل المثال: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (آل عمران: 186).

ويقول الله تعالى في سورة البقرة الآية 155: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}.

ويقول الله تعالى في آية أخرى من كتابه الكريم: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (العنكبوت: 2-3).

وطبعاً أن الامتحانات الإلهية ليس لها إطار معين ومشخص، بل يمتحن كل إنسان بحسب حالاته الروحية، لذا يقول الله تعالى في آية أخرى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (الأنبياء: 35).

الحكمة من الامتحان الإلهي

حيث أن الله تعالى عالم بجميع الأمور، لذلك فالامتحان الإلهي ليس لأجل رفع الجهل بالأمور، ولكن الله تعالى يمتحن المؤمنين المخلصين لأجل أن تظهر إلى الخارج كفاءاتهم واستعداداتهم المخفية.

من جملة غايات الامتحان الإلهي هي تصفية إيمان الإنسان المؤمن وإظهار حقيقة إيمانه، مثل الصانع الذي يصهر الذهب في الفرن بحرارة النار كي تحترق الشوائب وتنعدم بسبب النار ويبقى الذهب الخالص.

فالله تعالى يقوم بتصفية وغربلة إيمان المؤمنين في فرن البلاء والامتحان، وهكذا من جملة حكم الامتحان والابتلاء هو تمييز المؤمنين الصادقين من المؤمنين باللسان والظاهر. كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَنْ يُمَحَّصُوا وَيُمَيَّزُوا وَيُغَرْبَلُوا وَيُسْتَخْرَجُ فِي الْغِرْبَالِ خَلْقٌ".

وعليه يتعرض كل واحد من المؤمنين للبلاء والامتحان بما يتناسب مع درجته الإيمانية ووضعيته الروحية.

لا يتصور أحد أن التدين والإيمان يعيش بين الحدائق والبساتين والمنتزهات، وأن الإنسان المؤمن يمر من خلال طريقه الإيماني الطويل بالأزهار والورود والتنزه، فإن هذا التصور يدل على عدم فهم حقيقة الإيمان والتدين.

ولعل هذه الفكرة والتصور هي التي تدفقت إلى أفكار بعض المسلمين ردحاً من الزمن وهي أنه إلى متى نعيش بسبب الإيمان البلاء والحرمان؟

وقد أنزل الله تعالى لإزالة هذه الأوهام عن أفكارهم الآيات التالية: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (العنكبوت: 2-3).

ومن الواضح أنه مع إيمانهم بالله تعالى لا ينبغي أن توجد لديهم هذه التصورات الشنيعة، ولكن هذه الأفكار كانت موجودة عند المسلمين في المدينة وقد قال الله تعالى لأجل إبطال هذه الأفكار: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} (البقرة: 214).

وبعد معركة أحد التي تعرض فيها المسلمون إلى جميع تلك الإصابات والضحايا وقد قتل منهم سبعون نفراً من الجيش، وفي هذه الظروف قد أنزل الله تعالى آية كي يفهمهم أن طريق الإيمان والتدين مليء بالمصاعب والبلايا، حيث يقول: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} (آل عمران: 142).

شدة البلاء على قدر الإيمان

روي عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: ذُكِرَ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) الْبَلَاءُ وَمَا يَخُصُّ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) بِهِ الْمُؤْمِنَ، فَقَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً فِي الدُّنْيَا؟ فَقَالَ: النَّبِيُّونَ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، وَيُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ بَعْدُ عَلَى قَدْرِ إِيمَانِهِ وَحُسْنِ أَعْمَالِهِ، فَمَنْ صَحَّ إِيمَانُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَمَنْ سَخُفَ إِيمَانُهُ وَضَعُفَ عَمَلُهُ قَلَّ بَلَاؤُهُ.

ونقرأ في رواية أخرى: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ بِمَنْزِلَةِ كِفَّةِ الْمِيزَانِ كُلَّمَا زِيدَ فِي إِيمَانِهِ زِيدَ فِي بَلَائِهِ.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام) ما مضمونه: إن الله ليبتلي أولياءه بالمصائب والنوائب كي تغفر ذنوبهم ويعطيهم الأجر والثواب.

وروي في حديث آخر عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ لَهُ الدَّرَجَةُ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلِهِ، يُبْتَلَى بِبَلَاءٍ فِي جِسْمِهِ فَيَبْلُغُهَا بِذَلِكَ.

وروي بهذا المضمون عن الإمام الصادق (عليه السلام): عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَا يَبْلُغُهَا عَبْدٌ إِلَّا بِالِابْتِلَاءِ فِي جَسَدِهِ.

من الضروري أن نتأمل في حياة وسيرة الأولياء والصلحاء ومن عنده منزلة عند الله تعالى من قبيل الأنبياء (صلوات الله عليهم) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) وسائر عباد الله الصالحين، فإن البلايا والمصائب التي جرت عليهم، لو صبت وجرت على أي شخص آخر لعله من الصعب جداً أن يتحملها أو يطيقها.

ولنلاحظ حياة الأئمة المعصومين (عليهم السلام): كم كان عندهم من المصائب، ولنلاحظ خصوصاً واقعة كربلاء، وننظر أي مصيبة عظمى قد حلت بهم، ولكن مع كل تلك المصائب التي وقعت في كربلاء نجد أن العقيلة زينب (سلام الله عليها) بطلة كربلاء في الصبر والتحمل فإنها ليس لم تعترض فحسب بل قالت: "ما رأيت إلا جميلاً" حتى أنها لم تترك صلاة النافلة في ليلة استشهاد إخوتها (ع) وأصحابهم (رض).

ولنتأمل جيداً لعل هذه المصائب هي امتحان إلهي، ولعل له جهات أخرى، وأساساً بناءً على بعض الروايات أن الله تعالى يرى أن من الخير والصلاح أن يبتلي عبده وأن حكمته تقتضي أن يبتليه.

2025/09/14

هل أخبرنا النبي (ص) بالسجود على التربة الحسينية؟!

السؤال: لو كان جبرئيل أعطى النبي عليه الصلاة والسلام تربة الحسين وانّها طاهرة ويستحبّ الصلاة عليها ، لماذا لم يخبرنا الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام بذلك ويأمرنا بالصلاة عليها زيادة في الأجر؟

الجواب: إذا كان علماء أهل السنّة يروون : أنّ النبي صلّى الله عليه وآله أخبره جبرئيل باستشهاد الحسين عليه السلام وأعطاه تربة الحسين عليه السلام فبكى النبي صلّى الله عليه وآله وأودع التربة عند اُمّ المؤمنين اُمّ سلمة رضي الله عنها ، فما هو ذنب الشيعة ؟!

لقد أخبر النبي صلّى الله عليه وآله بمقتل الحسين عليه السلام وبكى له بكاء شديداً ولكنّكم لا تبكون للحسين عليه السلام بل تعترضون على الشيعة لماذا تبكون للحسين عليه السلام ، وقد أودع النبي صلّى الله عليه وآله تربة قبر الإمام الحسين عليه السلام قبل شهادته عند اُمّ سلمة ، وهذا يدلّ على اهتمام النبي صلّى الله عليه وآله بهذه التربة وكونها مقدّسة ، فما ذنب من يصلّي ويضع جبهته على هذه التربة المقدّسة لأنّه يشترط عنده كون موضع الجبهة من أجزاء الأرض كالحجر والمدر والتراب ، ويشترط الطهارة في موضع الجبهة.

[اشترك]

وهذه التربة الطاهرة معنويّاً وماديّاً ، وقد اهتمّ بها رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وقد قال النبي صلّى الله عليه وآله : « جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً » ، وكان يصلّي على التراب حتّى يتبيّن أثر التراب على أنفه الشريف.

أمّا الروايات الواردة من طرق أهل السنّة فنذكر بعضها :

  1. مستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري ج 3 / 176 ، روى بسنده عن شداد بن عبد الله عن اُمّ الفضل بنت الحارث أنّها دخلت على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقالت : يا رسول الله أنّي رأيت حلماً منكراً الليلة. قال : وما هو ؟ قالت : انّه شديد. قال : وما هو ؟ قالت : رأيت كان قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري. قال ـ صلّى الله عليه وآله ـ : رأيت خيراً ، تلد فاطمة ان شاء الله غلاماً فيكون في حجرك. فولدت فاطمة ـ عليها السلام ـ الحسين ـ عليه السلام ـ فكان في حجري كما قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ، فدخلت يوماً على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فوضعته في حجره ثمّ حانت منّي التفاته ، فإذا عينا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ تهريقان من الدموع ، فقلت : يا نبي الله بأبي أنت واُمّي ما لك ؟ قال : أتاني جبرئيل فأخبرني انّ اُمّتي ستقتل ابني هذا. فقلت : هذا ؟ فقال : نعم ، وآتاني بتربة من تربته حمراء. قال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
  2. مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 3 / ص 242 روى بسنده عن أنس بن مالك انّ ملك المطر استأذن ربّه أن يأتي النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ فأذن له فقال لاُمّ سلمة : املكي علينا الباب لا يدخل علينا أحد ، قال وجاء الحسين ـ عليه السلام ـ ليدخل ، فمنعته فوثب فدخل فجعل يقعد على ظهر النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعلى منكبيه وعلى عاتقه ، قال : فقال الملك للنبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ : أتحبّه ؟ قال : نعم. قال : اما ان اُمّتك ستقتله وان شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه. فضرب يده فجاء بطينة حمراء فأخذتها اُمّ سلمة فضرتها في خمارها. قال ثابت ـ أحد رواة الحديث بلغنا انّها كربلاء ـ وذكره المحبّ الطبري في ذخائر العقبى وذكره المتقي الهندي في كنز العمال ج 7 / 106 ، وقال أخرجه أبو نعيم وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 187 ، وقال أخرجه أبو يعلى والبزار والطبراني بأسانيد.

أقول : هذه المرّة الثانية إذ تختلف عن الرواية الأولى.

  1. مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 6 / 294 روى بسنده عن عائشة ـ أو اُمّ سلمة ـ انّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال لأحدهما : لقد دخل عليّ البيت ملك لم يدخل عليّ قبلها فقال ابنك حسين هذا مقتول ، وان شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها ، قال فاخرج تربة حمراء.
  2. كنز العمال ج 6 / 223 ، عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ، قام عندي جبرئيل من قبل فحدّثني انّ الحسين يقتل بشطّ الفرات وقال : هل لك أن اشمّك من تربته ؟ قلت : نعم ، فمدّ يده فقبض من تراب فأعطاينها فلم أملك عيني ان فاضتا.

أقول : قد شمّ رسول الله صلّى الله عليه وآله هذه التربة لأنّ جبريل قال له : هل لك ان أشمّك من ترتبه ؟ وهذا يدلّ على قدسيّة هذه التربة.

  1. كنز العمال ج 7 / 106 ، قال عن المطلب بن عبد الله بن حنطب ، عن اُمّ سلمة ، قالت : كان النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ جالساً ذات يوم في بيتي ، فقال : لا يدخلنّ عليّ أحد ، فانتظرت فدخل الحسين ـ عليه السلام ـ فسمعت نشيج النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ يبكي ، فإذا الحسين ـ عليه السلام ـ في حجره ـ أو إلى جنبه ـ يمسح رأسه وهو يبكي ، فقلت والله ما علمت به حتّى دخل ، قال النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ : ان جبرئيل كان معنا في البيت فقال أتحبّه ؟ فقلت : نعم ، فقال ان امّتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء ، فتناول جبرئيل من ترابها فأراه النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ ، فلمّا اُحيط بالحسين عليه السلام حين قتل قال : ما اسم هذه الأرض ؟ قالوا : كربلاء ، قال : صدق رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أرض كرب وبلاء.

قال أخرجه الطبراني وأبو نعيم.

[اشترك]

  1. الهيثمي في مجمع الزوائد ج 9 / 187 ، قال : وعن عائشة قالت دخل الحسين بن علي ـ عليهما السلام ـ على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وهو يوحى إليه فنزا على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وهو منكب وهو على ظهره ، فقال جبرئيل لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أتحبّه يا محمّد ؟ قال : وما لي لا احبّ إبني ؟ قال : فان أمّتك ستقتله من بعدك ، فمدّ جبريل ـ عليه السلام ـ يده فأتاه بتربة بيضاء ، فقال في هذه الأرض يقتل ابنك واسمها ألطف. فلمّا ذهب جبرئيل من عند رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ خرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ والتزمه في يده يبكي ، فقال : يا عائشة انّ جبرئيل أخبرني انّ ابني حسين مقتول في أرض الطفّ وانّ اُمّتي ستفتن بعدي. ثمّ خرج إلى أصحابه فيهم علي ـ عليه السلام ـ وأبوبكر وعمر وحذيفة وعمّار وأبوذر وهو يبكي ، فقالوا : ما يبكيك يا رسول الله ؟ فقال : أخبرني انّ ابني الحسين يقتل بأرض الطف وجاءني بهذه التربة وأخبرني انّ فيها مضجعه.

أقول : هذه هي المرّة الثالثة ، لأنّ عائشة تروي ذلك والتربة بيضاء مع انّ الروايات السابقة كانت من اُمّ سلمة واُمّ الفضل والتربة حمراء.

  1. مسند الاُمم أحمد بن حنبل ج 1 / ص 85 ، روى بسنده عن عبد الله بن نجا عن أبيه ، أنّه سار مع علي ـ عليه السلام ـ وكان صاحب مطهرته فلمّا حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين فنادى علي ـ عليه السلام ـ : اصبر أبا عبد الله ، اصبر أبا عبد الله بشط الفرات. فسئلته ، قال : دخلت على النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ ذات يوم وعيناه تفيضان ، قلت : يا نبي الله أغضبك أحد ما شأن عينيك تفيضان ؟ قال : بل قام من عندي جبرئيل فحدّثني ان الحسين يقتل بشطّ الفرات ، قال ، فقال : هل لك إلى ان أشمّك من تربته ، قال ، قلت : نعم فمدّ يده فقبض قبصته من تراب فأعطانيها فلم أملك عينيّ ان فاضتا.

رواه ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 2 / 347 وذكره المتقي في كنز العمال ج 7 / 105 وذكره الهيثمي في مجمعه ج 9 / 187 وقال : أخرجه البزار والطبراني ورجاله ثقات إلى غير ذلك من الروايات التي يرويها علماء أهل السنّة ، فراجع كتبهم.

2025/09/14

نحوسة الأيام.. لماذا يخاف الناس من شهر صفر؟!

تتردد على ألسنة الناس منذ القدم عبارات حول اليوم النحس أو الزمان السعيد، وتنتشر في ثقافات متعددة اعتقادات حول أيام معينة تجلب الحظ السيئ أو الجيد. ولكن هل يمكن إثبات هذه المعتقدات عقلاً أو شرعاً؟ وهل للزمان في حد ذاته خصائص تؤثر في مجريات الأحداث؟

يستحيل علينا إقامة برهان عقلي على سعادة أي يوم أو نحوسته، فطبيعة الزمان متشابهة الأجزاء والمقادير، ولا تختلف قطعة منه عن الأخرى في جوهرها. وحين نتأمل الحوادث التي تقع، نجد أنفسنا عاجزين عن الإحاطة بالأسباب والعلل المؤثرة في وقوعها، فكيف نستطيع أن نعزو للزمن دوراً في إحداثها؟

[اشترك]

كما أن التجربة العلمية غير متاحة في هذا المجال، إذ تتطلب تجرد الموضوع (اليوم أو الزمان) لنتمكن من إثبات أثره بشكل قطعي، وهو أمر متعذر. فنحن لا نستطيع عزل “يوم الأربعاء” مثلاً وتجريده من كل العوامل الأخرى لنرى هل هو سبب النحس بذاته.

وإذا عجزنا عن إثبات نحوسة الأيام عقلاً، فإننا نعجز أيضاً عن نفيها بالدليل القاطع. فبُعد الاحتمال لا يعني استحالته، والقول بأن شيئاً غير محتمل لا يعني أنه مستحيل. هذا هو موقف العقل المجرد.

أما من الناحية الشرعية، فقد ورد في القرآن الكريم ذكر للنحوسة وما يقابلها. يقول الله تعالى: “فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ”، وقال تعالى: “إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ”.

لكن سياق هاتين الآيتين يشير إلى أن النحوسة كانت خاصة بفترة نزول العذاب على قوم عاد، وهي سبع ليالٍ وثمانية أيام متوالية. فالنحوسة هنا مرتبطة بحدث العذاب نفسه، وليست صفة متكررة للأيام تدور مع دوران الأسابيع أو الشهور، وإلا لكان الزمان كله نحساً.

وفي المقابل، تحدث القرآن عن البركة والخير، كما في قوله تعالى: “وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ”، إشارة إلى ليلة القدر التي وصفها بأنها “خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ”.

لكن تأمل معنى بركة هذه الليلة يكشف أن سعادتها ليست ذاتية في الزمن، بل مرتبطة بما يقع فيها من أحداث عظيمة كإبرام القضاء ونزول الملائكة والروح، وما يترتب عليها من فضل العبادة وغزارة الثواب وقرب العناية الإلهية من المتوجهين إلى ساحة القدس.

أما في السنة النبوية، فقد وردت روايات كثيرة جداً تتحدث عن سعد الأيام ونحسها، خاصة في أيام الأسبوع وأيام الشهور القمرية. هذه الروايات مبثوثة في كتب الحديث، لكن أغلبها ضعيف السند من مراسيل ومرفوعات، وإن كان بعضها لا يخلو من اعتبار.

والملفت أن كثيراً من الروايات التي تتحدث عن نحوسة بعض الأيام (كيوم الأربعاء وخاصة آخر أربعاء من الشهر)، تعلل ذلك بوقوع أحداث مؤلمة في تلك الأيام، مثل شهادة الإمام الحسين (ع)، وإلقاء إبراهيم (ع) في النار، ونزول العذاب على أمم سابقة، وخلق النار. فالنحوسة هنا مرتبطة بالذكرى والوقائع، وليست صفة ذاتية للزمن.

[اشترك]

يبدو أن الحديث عن نحوسة الأيام أو سعادتها لا يستند إلى دليل عقلي قاطع، ولا يشير القرآن إلى أن هناك أياماً متكررة تحمل صفة النحس أو السعد بذاتها.

ما نجده في النصوص هو إشارات إلى أوقات مباركة مرتبطة بالعبادة والقرب من الله، وأيام نحسة ارتبطت بذكرى أحداث مؤلمة. وكأن البركة أو النحوسة ليست في الزمن ذاته، بل فيما يقع فيه من أحداث وما يمارس فيه من أعمال.

ومع ذلك، وردت توجيهات بقراءة القرآن وإخراج الصدقة في أيام معينة، ربما كوسيلة لتحويل ما قد يُعتقد أنه يوم نحس إلى فرصة للقربى والعمل الصالح، أو للاستفادة من بركة أوقات معينة جعل الله فيها فضلاً خاصاً للعبادة والدعاء.

في النهاية، يبقى الأصل في تعامل المؤمن مع الزمن هو التفاؤل والإيمان بأن الخير والشر بيد الله وحده، وأن الزمن وعاء للأحداث، وليس صانعاً لها. فالاعتماد على الله والعمل الصالح خير من الانشغال بتتبع السعد والنحس في الأيام والليالي.​​​​​​​​​​​​​​​​

2025/07/27

زينب (ع) في مواجهة أهل الكوفة: فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً!

السؤال: الخطبة المنسوبة للسيدة زينب عليها السلام في أهل الكوفة هل هي معتبرة فهناك من ينفي أو يشكك في صدورها لأنَّها اشتملت على الذمِّ لعموم أهل الكوفة والحال أنَّ في الكوفة شيعة صادقين في تشيُّعهم وكذلك فإنَّ التعميم يشملُ النساء ولا ذنبَ لهنَّ فيما وقع.

[اشترك]

الجواب:

أورد الخطبة المأثورة عن السيِّدة زينب ابنة أمير المؤمنين (ع) التي ألقتها في الكوفة الشيخُ المفيد رحمه الله في كتابه الأمالي بسندٍ له عن حذلم بن ستير(بشير) قال: قدمتُ الكوفة في المحرَّم سنة إحدى وستين عند منصرف عليِّ بن الحسين عليهما السلام بالنسوة من كربلاء ومعهم الأجناد محيطون بهم، وقد خرج الناسُ للنظر إليهم، فلما أقبَلَ بهم على الجمال بغير وطاء جعل نساء أهل الكوفة يبكين وينتدبن، فسمعتُ عليَّ بن الحسين عليهما السلام وهو يقول بصوتٍ ضئيل وقد نهكته العلَّة وفي عنقِه الجامعة، ويدُه مغلولةٌ إلى عنقه: ألا إنَّ هؤلاء النسوة يبكين، فمَن قتلنا؟!

قال: ورأيتُ زينبَ بنت عليٍّ عليهما السلام ولم أرَ خَفِرة قطُّ أنطقَ منها، كأنَّها تُفرغُ عن لسان أمير المؤمنين عليه السلام. قال: وقد أَومأتْ إلى الناس أن اسكتوا، فارتدَّت الأنفاسُ وسكتت الأصواتُ فقالت:

الحمدُ لله والصلاة على أبي رسول الله، أمَّا بعد يا أهل الكوفة، ويا أهل الختل والخذل، فلا رقأت العبرة، ولا هدأت الرنَّة، فما مثلُكم إلا: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾. ألا وهل فيكم إلا الصلَف النطف، والصدر الشنف، خوَّارون في اللِّقاء، عاجزون عن الأعداء، ناكثون للبيعة، مضيعون للذِّمَّة، فبئس ما قدَّمتْ لكم أنفسكم أن سخِط اللهُ عليكم، وفي العذابِ أنتم خالدون.

أتبكون؟! إي واللهِ فابكوا كثيراً، واضحكوا قليلا، فلقد فُزتُم بعارِها وشَنارِها، ولن تغسلوا دنسَها عنكم أبدا. فسليلُ خاتم الرسالة، وسيِّدُ شباب أهل الجنَّة، وملاذُ خيرتكم، ومفزعُ نازلتكم، وأمارةُ محجَّتكم، ومدرجةُ حجتكم خذلتُم، وله قتلتم؟! ألا ساء ما تزرون، فتعساً ونكسا، فلقد خاب السعيُ، وترِبت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبُؤتم بغضبٍ من الله، وضُربتْ عليكم الذلَّةُ والمسكنة.

ويلكم أتدرون أيَّ كبدٍ لمحمَّدٍ فريتم، وأيَّ دمٍ له سفكتم، وأيَّ كريمةٍ له أصبتم؟ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا / تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ ولقد أتيتم بها خرقاءَ شوهاءَ طِلاعَ الأرض والسماء. أفعجبتُم أنْ قطرت السماءُ دما؟! ولعذابُ الآخرة أخزى، فلا يستخفَّنكم المهَل، فإنَّه لا يُحفزه البدار، ولا يخافُ عليه فوت الثأر، كلا إنَّ ربَّك لبالمرصاد. قال: ثم سكتتْ، فرأيت الناس حيارى، قد ردوا أيديهم في أفواههم .."(1).

[اشترك]

بعض مصادر الخطبة:

هذا وقد أورد هذه الخطبة الشيخ الطوسي رحمه الله في كتابه الأمالي(2) وأوردها مع اختلافٍ في بعض الألفاظ الشيخ الطبرسي(3) وأوردها ابن أعثم الكوفي (ت: 314ه) في كتاب الفتوح(4) وأوردها في كتاب البلدان أحمد بن محمد الهمداني (ت: 240ه)(5) وأوردها ابن طيفور(ت: 280ه) في بلاغات النساء ولكنَّه نسبها لأم كلثوم (ع)(6) وأوردها وابن شهراشوب في المناقب(7) وابن حاتم الشامي المشغري (ت: 664) في الدر النظيم(8) والسيِّد ابن طاووس في اللُّهوف(9) وابنُ نما الحلي في مثير الأحزان(10) وابنُ حمدون (ت: 562) في التذكرة الحمدونيَّة (11) والخوازميُّ في مقتل الحسين (ع)(12) وأبو سعد منصور بن الحسين الرازي الآبي ( ت: 421ه) في كتابه نثر الدر(13).

هذا المقدار من المصادر صالحٌ للإثبات التأريخي:

فهذا المقدار من المصادر صالح للإثبات التأريخي فليس ثمة قضية من القضايا التأريخية التفصيليَّة تثبت بأكثر من ذلك إلا أنْ يمنع مانع فيكون مقتضياً للارتياب في الوقوع أو الصدور، والمقام ليس كذلك إلا ما قيل من إنَّ الخطاب من السيِّدة بالتقريع والذم موجَّه لعامَّة أهل الكوفة، وقد اشتمل على نسبة القتل والخذلان لعمومهم وفيهم الشيعة الذين لم يشاركوا في قتل سيِّد الشهداء (ع) قطعاً، وفيهم النساء، ولا ذنبَ لهنَّ فيما وقع، إذ لم يشاركنَ في القتل، ولا يُنتظر منهنَّ المؤازرة ولهذا لا تصحُّ نسبة الخذلان لهنَّ، فنسبةُ القتل والخذلان لعموم أهل الكوفة والحال أنَّ فيهم مَن لا ذنبَ له يبعثُ على الارتياب في صدور الخطبة من السيِّدة زينب (ع) هكذا قيل.

[اشترك]

مناقشة الإشكال:

والجواب: المتفاهم عرفاً من خطاب السيِّدة زينب (ع) لأهل الكوفة هو أنَّه متوجِّه لغالبيتهم، فالمقصودون بالذمِّ والتقريع هم الغالبيَّة، وأَّمَّا الصالحون والمعذورون واقعاً في تخلُّفهم والذين التحقوا بركب الحسين (ع) فاستُشهدوا أو لم يستشهدوا فهؤلاء ليسوا مقصودين بالذمِّ والتقريع.

فمثلُ هذا الخطاب الذي يتمُّ توجيهه إلى قبيلةٍ أو أهل بلدة أو شريحة من المجتمع يُحمل عرفاً على إرادة الغالبيَّة، ولهذا لا يجد المتكلِّم حاجةً للاستثناء، وذلك اتكالاً على فهم المتلقِّي والذي هو بمثابة القرينة المطَّردة لمثل هذه الخطابات، فحين يذمُّ القرآنُ المجيد بني إسرائيل على لسان موسى (ع) وينسبُ إليهم العبادة للعجل كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾(14) فإنَّ أحداً لا يفهمُ من ذلك إرادة الجميع رغم أنَّ الخطاب موجَّهٌ لعامة قومه، وكذلك حين نسب القرآن المجيد عبادة العجل لقوم موسى(ع) في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾(15) وكذلك حين خاطب بالذمِّ والتقريع قوم موسى في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ / وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾(16) فإنَّ الآيات نسبتْ لقوم موسى (ع) العبادة للعجل ووصفتهم بالظالمين وشنَّعتْ عليهم قولهم ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ ونسبتْ إليهم الشغف بعبادة العجل وأنَّ ذلك نشأ عن كفرهم، وليس من أحدٍ يفهم من ذلك العموم والاستيعاب ففي قوم موسى (ع) صالحون وأتقياء، ولهذا لا نجد تنافياً بين هذه الآيات وبين قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾(17).

فالآيات التي نسبتْ عبادة العجل لقوم موسى (ع) ووصفتهم بالظالمين ونسبتْ إليهم الكفر والعصيان قصدتْ من ذلك الغالبيَّة وإلا لما صحَّ القول في موضع آخر إنَّ في قوم موسى أمَّة يهدون بالحقِّ وبه يعدلون.

[اشترك]

كذلك هو الشأن فيما خاطبت به السيِّدةُ زينب (ع) أهل الكوفة بقولها: "يا أهلَ الختل والخذل" ووصفتهم بقولها: "خوَّارون في اللِّقاء، عاجزون عن الأعداء، ناكثون للبيعة، مضيِّعون للذِّمَّة" وفيما أسندته إليهم في قولها: "ويلكم أتدرونَ أيَّ كبدٍ لمحمَّدٍ (ص) فريتم، وأيَّ دمٍ له سفكتم، وأيَّ كريمةٍ له أصبتم" فالمقصودون بالخطاب والتقريع والذم واسنادِ القتل هم غالبيَّة أهل الكوفة في تلك الحقبة، ومؤدَّى ما أفادته أنَّ الغالبية إمَّا أن يكونوا شركاء في القتل وإمَّا أن يكونوا ممَّن تورَّط بجريرة الخذلان لسيِّد الشهداء (ع).

حواضنُ الخطبة الشريفة:

وهذا الذي أفادته السيِّدة قد ورد في خطاب الإمام الحسين (ع) لأهل الكوفة يوم العاشر عند قوله (ع): ".. وَإِيّانا تَخْذُلُونَ، أَجَلْ وَاللهِ! الْخَذْلُ [الغدر] فيكُمْ مَعْرُوفٌ [قديم] وَشَجَتْ عَلَيْهِ عُرُوقُكُمْ، وَتَوارَثَتْهُ أُصُولُكُمْ وَفُرُوعُكُمْ، وَنَبَتَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ وَغَشِيَتْ بِهِ صُدُورُكُمْ، فَكُنْتُمْ أَخْبَثَ شَيْء سِنْخاً لِلنّاصِبِ وَأَكْلَةً لِلْغاصِبِ، أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى النّاكِثينَ الَّذينَ يَنْقُضُونَ الاَْيْمانَ بَعْدَ تَوْكيدِها، وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفيلاً فَأَنْتُمْ وَاللهِ! هُمْ .."(18).

وكذلك ورد في كلام لمسلمِ بن عقيلٍ قال لمبعوثِه إلى الحسين (ع) بعد أسره: "إنَّ ابن عقيل بعثني إليك وهو أسير في أيدي القوم، لا يرى أنَّه يمسي حتى يقتل، وهو يقول: ارجع فداك أبي وأمي بأهل بيتك ولا يغررك أهلُ الكوفة، فإنَّهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنَّى فراقهم بالموت أو القتل، إنَّ أهل الكوفة قد كذبوك -وكذبوني- وليس لمكذوبٍ رأي"(19) يعني أنَّهم غدروا ونكثوا البيعة.

 وورد قبل ذلك عن الامام الحسن (ع) قال في مقام البيان لبعض أسباب الصلح: "والله ما سلَّمتُ الأمر إليه إلا أنِّي لم أجد أنصاراً، ولو وجدتُ أنصارا لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيني وبينه، ولكني عرفتُ أهل الكوفة، وبلوتُهم، ولا يصلحُ لي منهم مَن كان فاسداً، إنَّهم لا وفاء لهم. ولا ذمَّة في قولٍ ولا فعل، إنَّهم لمختلفون، ويقولون لنا:إنَّ قلوبهم معنا وأنّ سيوفهم لمشهورة علينا .."(20).

[اشترك]

وأما ما ورد عن أمير المؤمنين (ع) فكثير، ومنه قوله (ع) في إحدى خطبه كما في الكافي للكليني ".. أَلَا وإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَيْلاً ونَهَاراً وسِرّاً وإِعْلَاناً وقُلْتُ لَكُمْ اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ فَوَاللَّه مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا فَتَوَاكَلْتُمْ وتَخَاذَلْتُمْ حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ ومُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الأَوْطَانُ .. هَذَا أَخُو غَامِدٍ قَدْ وَرَدَتْ خَيْلُه الأَنْبَارَ وقَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ الْبَكْرِيَّ وأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا وقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ والأُخْرَى الْمُعَاهَدَةِ فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وقُلْبَهَا وقَلَائِدَهَا ورِعَاثَهَا مَا تُمْنَعُ مِنْه إِلَّا بِالاسْتِرْجَاعِ والِاسْتِرْحَامِ ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ ولَا أُرِيقَ لَه دَمٌ فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِه مَلُوماً بَلْ كَانَ عِنْدِي بِه جَدِيراً فَيَا عَجَباً عَجَباً واللَّه يَمِيثُ الْقَلْبَ ويَجْلِبُ الْهَمَّ مِنِ اجْتِمَاعِ هَؤُلَاءِ عَلَى بَاطِلِهِمْ وتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ فَقُبْحاً لَكُمْ وتَرَحاً حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمَى يُغَارُ عَلَيْكُمْ ولَا تُغِيرُونَ وتُغْزَوْنَ ولَا تَغْزُونَ ويُعْصَى اللَّه وتَرْضَوْنَ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ قُلْتُمْ هَذِه حَمَارَّةُ الْقَيْظِ أَمْهِلْنَا حَتَّى يُسَبَّخَ عَنَّا الْحَرُّ، وإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ قُلْتُمْ: هَذِه صَبَارَّةُ الْقُرِّ أَمْهِلْنَا حَتَّى يَنْسَلِخَ عَنَّا الْبَرْدُ كُلُّ هَذَا فِرَاراً مِنَ الْحَرِّ والْقُرِّ، فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ والْقُرِّ تَفِرُّونَ فَأَنْتُمْ واللَّه مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ، يَا أَشْبَاه الرِّجَالِ ولَا رِجَالَ حُلُومُ الأَطْفَالِ وعُقُولُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ ولَمْ أَعْرِفْكُمْ مَعْرِفَةً واللَّه جَرَّتْ نَدَماً وأَعْقَبَتْ ذَمّاً قَاتَلَكُمُ اللَّه لَقَدْ مَلأْتُمْ قَلْبِي قَيْحاً وشَحَنْتُمْ صَدْرِي غَيْظاً وجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ التَّهْمَامِ أَنْفَاساً وأَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالْعِصْيَانِ والْخِذْلَانِ حَتَّى لَقَدْ قَالَتْ قُرَيْشٌ إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ رَجُلٌ شُجَاعٌ ولَكِنْ لَا عِلْمَ لَه بِالْحَرْبِ لِلَّه أَبُوهُمْ وهَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاساً وأَقْدَمُ فِيهَا مَقَاماً مِنِّي لَقَدْ نَهَضْتُ فِيهَا ومَا بَلَغْتُ الْعِشْرِينَ وهَا أَنَا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَى السِّتِّينَ ولَكِنْ لَا رَأْيَ لِمَنْ لَا يُطَاعُ"(21).

وقال في خطبةٍ له (ع) كما في نهج البلاغة:" .. أَمَا والَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَيَظْهَرَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَيْكُمْ، لَيْسَ لأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكُمْ، ولَكِنْ لإِسْرَاعِهِمْ إِلَى بَاطِلِ صَاحِبِهِمْ وإِبْطَائِكُمْ عَنْ حَقِّي.. اسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا، وأَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا، ودَعَوْتُكُمْ سِرّاً وجَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا، ونَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا، أَشُهُودٌ كَغُيَّابٍ وعَبِيدٌ كَأَرْبَابٍ، أَتْلُو عَلَيْكُمْ الْحِكَمَ فَتَنْفِرُونَ مِنْهَا، وأَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْبَالِغَةِ، فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا، وأَحُثُّكُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ الْبَغْيِ، فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلِي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا، تَرْجِعُونَ إِلَى مَجَالِسِكُمْ، وتَتَخَادَعُونَ عَنْ مَوَاعِظِكُمْ، أُقَوِّمُكُمْ غُدْوَةً وتَرْجِعُونَ إِلَيَّ عَشِيَّةً كَظَهْرِ الْحَنِيَّةِ عَجَزَ الْمُقَوِّمُ وأَعْضَلَ الْمُقَوَّمُ، أَيُّهَا الْقَوْمُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ، الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ، الْمُبْتَلَى بِهِمْ أُمَرَاؤُهُمْ، صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللَّه وأَنْتُمْ تَعْصُونَه، وصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللَّه وهُمْ يُطِيعُونَه .. يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلَاثٍ واثْنَتَيْنِ، صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعٍ، وبُكْمٌ ذَوُو كَلَامٍ، وعُمْيٌ ذَوُو أَبْصَارٍ، لَا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ، ولَا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ الْبَلَاءِ، تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ، يَا أَشْبَاه الإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا، كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ تَفَرَّقَتْ مِنْ آخَرَ، واللَّه لَكَأَنِّي بِكُمْ فِيمَا إِخَالُكُمْ، أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى وحَمِيَ الضِّرَابُ، قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ .. وإِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ومِنْهَاجٍ مِنْ نَبِيِّي.. "(22)

فهذه النصوص -وغيرها كثير يطول المقام بعرضها- تمثِّل حاضنة صالحة لتأكيد الصدور للخطبة المأثورة عن السيِّدة زينب (ع) فالتشكيك في صدورها لأنَّ في الكوفة شيعةً صادقين في تشيُّعهم، هذا التشكيك لا يصحُّ، فإنَّ المقصودين بمثل هذه الخطابات هم الغالبيَّة، كما أنَّ المقصودين بمثل هذه الخطابات هم غالبية أهل الكوفة في تلك الحقبة التي صدرت مثل هذه النصوص في ظرفها، ولهذا لا تصحُّ معالجة النصوص استناداً إلى ما آل إليه واقعُ الكوفة بعد ردح من الزمن.

[اشترك]

 لم يكن غالبية أهل الكوفة من الشيعة قي تلك الحقبة:

فالكوفة التي اضطرت أميرَ المؤمنين (ع) للقبول بالتحكيم بعد رفع المصاحف، وتوانت عن الاستجابة لدعواته الدؤوبة في العودة إلى حرب الشام بعد فشل التحكيم، وتوانت حتى عن الاستجابة لدعواتِ أمير المؤمنين (ع) في المؤازرة على ردِّ الغارات التي كانت تشنُّها سرايا الشام على أطراف الكوفة وأطراف الحواضر الإسلامية وتعيثُ فيها فساداً وقتلاً وهتكاً للأعراض، والكوفة التي ألجئت الإمامَ الحسن المجتبى (ع) للقبول بالصلح، وهدَّد شيوخُ عشائرها بتسليم الامام الحسن (ع) أسيراً إلى معاوية، والكوفة التي خذلتْ مسلم بن عقيل ولم تُحرِّك ساكناً وهي ترى جثمانه يُسحب في الأسواق، والكوفةُ التي كان يُطاف في أسواقها وأحيائها برأس الحسين (ع) ويُصلب أياماً على باب الجامع دون أنْ تثأر أو حتى تستنكر بما يتناسب وحجم الجريمة، والكوفة التي تُساق في أزقَّتها أسرةُ الرسول الكريم (ص) على هيئة السبايا فلا تثأر وتكتفي بالبكاء والندبة، هذه الكوفة لم تكن حينذاك غالبيَّة أهلها من الشيعة كما يتوهَّم البعضُ وكما يُروِّج لذلك آخرون بل لم يكن للشيعة حينذاك كيانٌ وازن بل لم تكن ثمة قبيلة واحدة يُمكن اعتبار جميع أفرادها أو أكثريتهم من الشيعة، فالشيعة كانوا أفراداً متناثرين في أوساط القبائل تحكمهم أعرافها وطبيعة ولاءاتها، نعم ثمة محبُّون لأهل البيت(ع) بمعنى أنَّهم يرونهم أنَّهم أجدر من الولاة الظلمة بإدارة شؤونهم، وهؤلاء لم يكونوا أغلبيَّة أيضاً ولكن عددهم لم يكن قليلاً، هؤلاء كانوا يُحبُّون أهل البيت (ع) لقرابتهم من رسول الله (ص) ولنزاهتهم وحسن الظنِّ بهم أنهم الأكفأ والأجدر والأحرص على إدارة شؤون الناس بالعدل والانصاف، فكانوا يُحبُّونهم لذلك ولكنهم لم يكونوا على استعداد للتضحية بأرواحهم ومصالحهم ومصالح عشائرهم في سبيل تغيير الواقع الفاسد الذي غلبَ عليه الأمويون وأتباعهم، فكانوا يأملون من أهل البيت (ع) أن يُغيروا هذا الواقع الفاسد دون أن يكونوا على استعدادٍ حقيقي للوقوف معهم لبلوغ هذه الغاية، بل بلغ بهم الوهن حداً لا يرون معه بأساً في الممالئة لأعداء أهل البيت (ع) والاصطفاف معهم إذا اقتضت ذلك مصالحُهم الشخصية أو مصالح زعماء عشائرهم، وهذا معنى ما أفاده الإمام الحسن(ع) في مقام التشخيص للواقع المؤسِف الذي ألجأه للصلح: "أنَّ قلوبهم معنا، وأنَّ سيوفهم لمشهورةٌ علينا ..".

لماذا اختار الحسين(ع) الكوفة إذا كان ذلك هو واقع أهلها:

وأمَّا لماذا اختار الامام الحسين(ع) الكوفة إذا كان ذلك هو واقع أهلها فجوابه بإيجاز شديد وقد فصَّلناه في مقالاتٍ عديدة هو أنَّ الكوفة كانت هي الخيار الوحيد المتاح لاحتضان نهضتِه المباركة بعد أنْ خذلتْه الحجاز فاضطر للخروج من المدينة إلى مكة الشريفة ومكثَ فيها شهوراً أربعة يدعو ويُحشِّد ولكن دون جدوى، واستنصر زعماء البصرة وكاتبهم وقال: لهم" فَاِنَّ السُنَّةَ قَدْ أُميتَتْ، وَإِنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ أُحيِيَتْ .."(23) فلم يعبئوا وما اكترثوا، فلم يستجب له سوى عددٍ وازن من أبناء الكوفة ولكنَّهم ضعفوا حين جدَّ الجد فخذلوه وأسلموه لأعدائه الأمويين وأتباعهم.

[اشترك]

فالإمام الحسين (ع) كان يُدرك واقع الكوفة ولكنَّ المصير إليها كان هو الخيار الوحيد المُتاح لاحتضان نهضته، فالوالي على الكوفة من قبل الأمويين حينذاك وهو النعمان بن بشير كان ضعيفاً ويحبُّ السلامة والموادعة، والكثير من أبناء الكوفة كانوا يكرهون الأمويين لعظيم الظلم الذي أصابهم منهم والبخس والتضييق الذي كان ولاة الأمويين يسوسونهم به فكانوا يرون في موت معاوية فرصةً لتغيير واقعهم، هذا مضافاً إلى أنَّ في الكوفة عدداً وازناً يكنُّ الحبَّ لأهل البيت (ع) فحفَّزتهم الظروف لإبداء الاستعداد لمناصرة الإمام الحسين (ع) فذلك هو ما دفع الإمام الحسين (ع) للمصير إليهم لا لأنَّه يجهل واقعَهم بل لأنَّ ذلك هو الخيار المتاح في مقابل الخيارات الأخرى، فهو على أيِّ تقدير قد عقد العزم على النهضة منذ أنْ بلغه في المدينة موتُ معاوية، فحين لم يجد في المدينة مَن ينهض به وكذلك لم يجد في مكة والبصرة من ينهض بهم -وهي الحواضر الأهم حينذاك- اختار أنْ يستثمر ظروف الكوفة ليجعل منها منطلقاً لنهضته ولكنَّهم عجزوا وأخفقوا فأخطأوا حظَّهم كما أخفقت الحواضرُ الأخرى فأخطأت حظَّها. فالخذلان لسيِّد الشهداء (ع) الذي مُنيت به الكوفة مُنيت به الحواضر الأخرى واللهُ ساءلهم جمعياً عن الحِنث العظيم الذي اقترفوه بحقِّ سيِّد الشهداء(غ) وحقِّ الإسلام ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وخلاصة القول: إنَّ ما اشتملت عليه خطبةُ السيِّدة زينب (ع) مطابقٌ للواقع الذي كانت عليه غالبية أهل الكوفة في ذلك الظرف ولا يجد الباحث صعوبةً تذكر للوقوف على واقع أهل الكوفة وأنَّهم كانوا أخلاطا من أهواءٍ شتى ومتباينة وأنَّ غالبيتهم خوَّارون -كما أفادت السيدة زينب(ع)- تسوقهم الظروفُ وتميلُ بهم حيث مالت وإنْ كانت على خلاف ما يُحبُّون أو سلكت بهم حيثُ يكرهون. فذلك كان واقعهم كما نصَّت على ذلك الكثيرُ من الكلمات المأثورة عن أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة وغيره والكلمات المأثورة عن الإمام الحسن (ع) والإمام الحسين (ع) والإمام زين العابدين (ع) ومسلم بن عقيل.

وهنا يحسن بنا التنبيه على أمرين استكمالاً للجواب:

[اشترك]

ثورة التوَّابين لم تكن استثناءً:

الأمر الأول: إنَّ ثورة التوابين لم تكن استثناءً للواقع الذي كان عليه غالبيَّة أهل الكوفة، فالباعث عليها كان هو الشعور العميق بالذنب والندم على تقاعسِهم وخذلانهم لسيِّد الشهداء(ع) رغم أنَّهم أو الكثير منهم كانوا ممَّن كاتب الإمام الحسين (ع) يستنصرونه، وبايعوا سفيره على بذل المهج إلا أنَّهم لم يفوا له ببيعتِه فتلكئوا عن مؤازرته والمبادرة إلى اللِّحاق به أو تهيئة الأجواء لدخوله الكوفة، ولبدوا في بيوتهم وأحيائهم رغم استنصاره ومناشدته لهم، فلم يكن منهم سوى الاغضاء والتجاهل والتربَّص لما تتمخَّض عنه الأحداث، وذلك هو ما دفع الأمويين وأتباعهم إلى استضعافه (روحي فداه) ومحاصرته وقتله أبشع قتلةٍ دون تأثُّم، فذلك هو ما أحدث في ضمائر التوَّابين شعوراً بالذنب والندم على احجامهم وتخاذلِهم عن نصرة سيِّد الشهداء فلم يجدوا وسيلةً للخلاص من الشعور العميق بالإثم سوى العمل على أخذ الثأر لسيِّد الشهداء (ع) من الأمويين وأتباعهم، ولهذا لجأوا إلى وجهائهم ممَّن يُنتظر منهم المؤازرة على ما عقدوا العزم عليه من الأخذ بالثأر من الأمويين فبايعوا على ذلك سليمان بن صرَد الخزاعي (رحمه الله) والمسيَّب بن نجبة الفزاري (رحمه الله) وآخرين فبلغ عددُ من بايعوا سليمان بن صرد ونوابه ستة عشر ألفاً (24) إلا أنَّه حين جدَّ الجد لم ينفر معه منهم سوى أربعة آلاف وتخلَّف عنه اثنى عشر ألفاً رغم بيعتهم المؤكَّدة، ورغم أنَّ الأمويين كانوا حينذاك في أسوأ أحوالهم وأضعفها، فالكوفة والبصرة والحجاز قد خرجت من سلطانهم وكانت الكوفة حينذاك تحت نفوذ عبد الله بن الزبير وكان عليها من قِبَله عبد الله بن يزيد الأنصاري ولم تكن الكوفة مستقرةً في يده، وكان من مصلحتِه ومصلحة ابن الزبير خروج التوابين لحرب الأمويين ورغم ذلك تخلَّف أكثرُهم عمَّا كانوا قد عقدوا العزم عليه، فاضطر سليمان بن صرد -بعد استنفارٍ وانتظار لهم بالنخيلة- أن ينفرَ لحرب الأمويين بما لا يزيد يتجاوز ربع العدد الذين بايعوا.

ولتوثيق ما ذكرناه من الباعث لثورة التوابين نكتفي بنقل نصِّ واحد رعاية للاختصار:

أورده الطبري وغيره: قال: "لمَّا قُتل الحسين بن علي ورجع ابنُ زياد من معسكره بالنخيلة فدخل الكوفة تلاقت الشيعة- بمعنى المحبَّة والانحياز لأهل البيت (ع) وليس بمعنى الايمان بإمامتهم الإلهيَّة- بالتلاوم والتندُّم، ورأت أنَّها قد أخطأت خطأً كبيراً بدعائهم الحسين إلى النصرة وتركهم إجابته ومقتله إلى جانبهم لم ينصروه ورأوا أنَّه لا يَغسلُ عارَهم والإثمَ عنهم في مقتله إلا بقتل مَن قتله أو القتل فيه، ففزعوا بالكوفة إلى خمسة نفرٍ من رؤوس الشيعة إلى سليمان بن صرد الخزاعي، وكانت له صحبة مع النبيِّ (ص) وإلى المسيَّب بن نجبة الفزاري وكان من أصحاب عليٍّ وخيارهم وإلى عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي وإلى عبد الله بن وال التيمي وإلى رفاعة بن شدَّاد البجلي ثم إنَّ هؤلاء النفر الخمسة اجتمعوا في منزل سليمان بن صرد، وكانوا من خيار أصحاب عليٍّ .. فلمَّا اجتمعوا إلى منزل سليمان بن صرد بدأ المسيَّب بن نجبة القوم بالكلام فتكلَّم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيِّه (ص) ثم قال:

[اشترك]

أمَّا بعد فإنَّا قد ابتُلينا بطول العمر والتعرُّض لأنواع الفتن .. وقد كنَّا مغرمين بتزكية أنفسنا وتقريظ شيعتنا حتى بلا اللهُ أخيارنا فوجدنا كاذبين في موطنين من مواطن ابن ابنة نبينا (ص) وقد بلغتنا قبل ذلك كتبُه وقدمتْ علينا رسلُه وأعذرَ إلينا يسألُنا نصره عوداً وبدءً وعلانيةً وسراً فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قُتل إلى جانبنا لا نحنُ نصرناه بأيدينا ولا جادلنا عنه بألسنتنا، ولا قوَّيناه بأموالنا، ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا، فما عُذرنا إلى ربِّنا وعند لقاء نبيِّنا (ص) وقد قُتل فينا ولدُه وحبيبُه وذريتُه ونسلُه، لا والله لا عُذرَ دون أنْ تَقتلوا قاتله والموالين عليه أو تُقتلوا في طلب ذلك، فعسى ربُّنا أنْ يرضى عنَّا عند ذلك، وما أنا بعد لقائه لعقوبته بآمن، أيُّها القوم ولُّوا عليكم رجلاً منكم فإنَّه لابد لكم من أميرٍ تفزعون إليه ورايةٌ تحفُّون بها، أقول قولي هذا وأستغفرُ الله لي ولكم قال: فبدر القوم رفاعةُ بن شدَّاد بعد المسيَّب الكلام فحمد الله وأثنى عليه وصلَّى على النبيِّ (ص) ثم قال: أمَّا بعد فإنَّ الله قد هداك لأصوب القول ودعوتَ إلى أرشد الأمور، بدأتَ بحمد الله الثناء عليه والصلاة على نبيِّه (ص) ودعوتَ إلى جهاد الفاسقين وإلى التوبة من الذنب العظيم، فمسموعٌ منك مُستجابٌ لك مقبولٌ قولُك، قلتَ ولَّوا أمركم رجلاً منكم تفزعون إليه وتحفُّون برايته وذلك رأيٌ قد رأينا مثل الذي رأيت فإن تكن أنت ذلك الرجل تكن عندنا مرضيَّاً وفينا متنصحا في جماعتنا محبَّا وإن رأيت ورأى أصحابنا ذلك ولينا هذا الامر شيخ الشيعة صاحب رسول الله (ص) وذا السابقة والقدم سليمان بن صرد المحمود في بأسه ودينه والموثوق بحزمه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم قال: ثم تكلم عبد الله بن وال وعبد الله بن سعد فحمدا ربهما وأثنيا عليه وتكلما بنحو من كلام رفاعة بن شداد فذكرا المسيَّب بن نجبة بفضله وذكرا سليمان بن صرد بسابقته ورضاهما بتوليته فقال المسيَّب بن نجبة: أصبتم ووفقتم وأنا أرى مثل الذي رأيتم فولُّوا أمركم سليمان بن صرد" "قال: فتكلم سليمان بن صرد .. فقال: .. أمَّا بعد فإنِّي والله لخائف ألا يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذي نكدت فيه المعيشة وعظُمت فيه الرزيَّة وشمل فيه الجور.. إنَّا كنَّا نمدُّ أعناقنا إلى قدوم آل نبيِّنا ونمنِّيهم النصر ونحثُّهم على القدوم فلما قدموا ونينا وعجزنا وادهنا وتربصنا وانتظرنا ما يكون حتى قتل فينا ولدينا ولد نبينا وسلالته وعصارته وبضعة من لحمه ودمه، إذ جعل يستصرخ ويسأل النصَف فلا يُعطاه اتَّخذه الفاسقون غرضاً للنبل ودرية للرماح حتى أقصدوه وعدوا عليه فسلبوه ألا انهضوا فقد سخط ربُّكم ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضى الله، والله ما أظنُّه رضياً دون أن تناجزوا مَن قتله أو تبيروا ألا لا تهابوا الموت فوالله ما هابه امرؤ قط إلا ذلَّ، كونوا كالأولى من بني إسرائيل، إذ قال لهم نبيهم: إنكم ظلمتم أنفسكم باتِّخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فما فعل القوم جثوا على الركب والله ومدوا الأعناق ورضوا بالقضاء حتى حين علموا أنه لا ينجيهم من عظيم الذنب إلا الصبر على القتل فكيف بكم لوقد دعيتم إلى مثل ما دعي القوم إليه أشحذوا السيوف وركبوا الأسنة وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل حتى تدعوا حين تدعوا وتستنفروا .."(25).

أقول: هذا النصُّ صريحٌ في إقرار التوابين بخذلانهم للإمام الحسين (ع) وأنَّه كان بوسعِهم الانتصار له ولكنَّهم لم يفعلوا فرغم أنَّه (ع) كان يستصرخُهم وواتَر عليهم الكتب والرسل عوداً وبدء وسراً وعلانية يستنجدهم ويستنصرهم إلا أنَّهم أحجموا عن الانتصار له والاستجابة لدعواته، فلم يكتفوا بعدم المصير إليه رغم قربه منهم بل إنَّهم لم يجادلوا عنه ولم يمدُّوه بأموالهم ولم يطلبوا النصر له من عشائرهم بل داهنوا وتوانوا وتربَّصوا وانتظروا ما يكون إلى أنْ قُتل ولدُ النبيِّ (ص) وعُصارتُه وبضعةُ لحمه ودمه، إذ جعل يستصرخُ ويسأل النصَف فلا يُعطاه فكان أنْ "اتَّخذه الفاسقون غرضا للنبلٍ ودريةً للرماح حتى أقصدوه وعدوا عليه فسلبوه".

كان لنساء الكوفة نصيب في التخذيل والممالئة:

الأمر الثاني: لم يكن الرجال وحدهم الذين خذلوا الإمام الحسين (ع) فكان للنساء نصيبٌ في ذلك بالتثبيط والتخذيل والتخويف بعواقب الأمور، ويؤشِّر لذلك ما أورده الشيخُ المفيد في الارشاد والطبري في تاريخه وابن الأثير في الكامل أنَّ المرأة تأتي ابنها وأخاها وتصرفه عن مسلم بن عقيل والذي كان قد دعا إلى محاصرة قصر الأمارة:

[اشترك]

قال في الإرشاد: ".. وكانت المرأة تأتي ابنها أو أخاها فتقول: انصرف، الناس يكفونك، ويجيء الرجل إلى ابنه وأخيه فيقول: غدا يأتيك أهلُ الشام، فما تصنع بالحرب والشر؟ انصرف، فيذهبُ به فينصرف. فما زالوا يتفرِّقون حتى أمسى ابنُ عقيل وصلى المغرب وما معه إلا ثلاثون نفساً في المسجد .."(26).

 

وأورد الدينوري في الأخبار الطوال ما يقرب من هذا النصِّ قال: "وكان الرجلُ من أهل الكوفة يأتي ابنه، وأخاه، وابن عمِّه فيقول: انصرف، فإنَّ الناس يكفونك. وتجيء المرأة إلى ابنِها وزوجها وأخيها فتتعلَّق به حتى يرجع. فصلَّى مسلم العشاء في المسجد، وما معه إلا زهاء ثلاثين رجلا"(27).

وعليه فالتشكيك في صدور الخطبة لأنَّها اشتملت على ما يعمُّ النساء والحال أنَّه لا ذنبَ لهنَّ فيما وقع إذ لم يشاركنَ في القتل، ولا يُنتظر منهنَّ المؤازرة ولهذا لا تصحُّ نسبة الخذلان لهن، هذه التشكيك -كما اتَّضح- ليس في محلِّه فكان للنساء نصيبٌ في التخذيل والتثبيط والممالئة كما في الكثير من نساء المقاتلين، نعم ثمة من النساء من كان لهنًّ دور مشرِّف كالسيِّدة طوعة التي آوت مسلم بن عقيل (ع).

 

الهوامش:

1- الأمالي -الشيخ المفيد- ص321، 324.

2- الأمالي -الشيخ الطوسي- ص92.

3- الاحتجاج -الطبرسي- ج2 / ص29.

4- الفتوح -ابن أعثم الكوفي- ج5 / ص121.

5- كتاب البلدان -أحمد بن محمد الهمداني (ت: 240ه)- ص224.

6- بلاغات النساء -ابن طيفور- ص23.

7- مناقب آل أبي طالب -ابن شهراشوب- ج3 / ص261.

8- الدر النظيم -وابن حاتم الشامي المشغري- ص560،

9- اللهوف -السيد ابن طاووس- ص87،

10- مثير الأحزان -ابن نما الحلي- ص 66.

11- التذكرة الحمدونية -ابن حمدون-ج6 / ص264،

12- مقتل الحسين -الخوارزمي- ج2 / ص40.

13- كتاب نثر الدر -أبو سعد منصور بن الحسين الرازي الآبي (ت: 421ه)- ص63.

14- سورة البقرة / 54.

15- سورة الأعراف / 148.

16- سورة البقرة / 93.

17- سورة الأعراف: 159.

18- الاحتجاج -الطبرسي- ج2 / ص24، تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج14 / ص219، تحف العقول -ابن شعبة الحراني- ص241، اللهوف -السيد ابن طاووس- ص59.

19- الإرشاد -المفيد- ج2 / ص59، تاريخ الطبري -الطبري- ج4 / ص280.

20- الاحتجاج -الطبرسي- ج2 / ص12.

21- الكافي -الكليني- ج5 / ص6، نهج البلاغة -خطب الامام علي (ع)- ص69، الارشاد -المفيد- ج1 / ص279، دعائم الاسلام -القاضي المغربي- ج1 / ص390.

22- نهج البلاغة- خطب الإمام علي (ع)- ص 142. الارشاد - المفيد-ج1/ 282، الاحتجاج- الطبرسي-ج1/ 257.

23- أنساب الأشراف- البلاذري- ج2 / ص78، تاريخ الطبري- الطبري- ج4 / ص266، البداية ووالنهاية- ابن كثير- ج8 / ص170، مثير الأحزان- ابن نما الحلي- ص17،

24- تاريخ الطبري -الطبري- ج4 / ص452، الكامل في التاريخ -ابن الأثير- ج4 / ص175، المنتظم في تاريخ الامم والملوك -ابن الجوزي-ج6 / ص35.

25- تاريخ الطبري -الطبري- ج4 / ص427، وقريباً منه ما أورده البلاذري في أنساب الأشراف ج6 / ص364، الكامل في التاريخ -ابن الأثير- ج3 / ص249، ذوب النضار -ابن نما الحلي- ص75، الفتوح -ابن أعثم- ج6 / ص204.

26- الارشاد -المفيد- ج2 / ص54، الكامل في التاريخ -ابن الأثير- ج4 / ص31.

27- الأخبار الطوال -الدينوري- ص239.

2025/07/19

أسرار النوم: هل أحلامنا رسائل ربانية؟

ما أن يأوي الإنسان إلى فراشه و يغمض عينيه و يسيطر عليه النوم حتى يجد نفسه في عالم آخر يختلف تماماً عن عالم اليقظة من حيث المقاييس و الحدود و الأوصاف .

نعم يجول النائم غالباً في عالم الأحلام و الرؤى فيشاهد الماضي و الحاضر و المستقبل فإذا به تارة يرجع إلى صباه و أخرى يرى نفسه شيخاً طاعناً في السن ، و قد يدخل في حرب مدمِّرة مع عدو واقعي أو افتراضي ، أو يرى نفسه و هو يعالج سكرات الموت ، أو يرى أن لديه ثروة عظيمة و مكانة مرموقة ينعم بكل خير و يعيش بين الورود و الرياحين ، أو يرى بعض الصالحين من الأحياء أو الأموات ، إلى غير ذلك من المشاهدات العجيبة التي يرتاح الإنسان لرؤية بعضها و يتمنى لو أنها طالت و استمرت من دون انقطاع ، كما و ينزعج من مشاهدة الكثير من الأحلام المهولة و المفزعة .

[اشترك]

و ما أن ينقطع شريط الأحلام حتى يسأل الإنسان نفسه عن حقيقة هذه المشاهدات و مدى انطباقها على الواقع ، فيحب أن يعرف هل أن لهذه المشاهدات من تأثيرات سلبية أو إيجابية على معيشته و حياته أم لا .
لا بُدَّ من الاعتراف بأن حقيقة الرؤى و الأحلام لا تزال خافية حتى على العلماء ذوي الاختصاص ، لذا فانك ترى أن نظراتهم العلمية مختلفة في تفسير مشاهدات الإنسان في المنام .
فمنهم من حاول حصر الأحلام في البعد النفسي فقط ، و لم ينظر إليها إلى من هذه الزاوية ، يقول فرويد : " إن الأحلام تلجأ إلى الرموز لتخفي الأغراض التي يحظرها المجتمع " 1 .
و كان المتنبؤن بالأمس يقولون : " أخبرنا بأحلامك نخبرك بمستقبلك " ، و اليوم يقول أطباء النفس : " أخبرنا بأحلامك نشخِّص مشكلاتك " 2 .
و مع ذلك فان أصل مشاهدة الأحلام و الرؤيا ثابتة و لا نقاش فيها ، إلا أن ما يهمنا هنا هو النظرة الإسلامية بالنسبة إلى الرؤى و الأحلام ، و ما يهمنا أيضا هو معرفة مدى صحة الاعتماد على أمثال هذه المشاهدات من المنظار الإسلامي .
للحصول على الإجابة الصحيحة يتحتم علينا مراجعة القرآن الكريم و الأحاديث المروية عن النبي مصطفى محمد ( صلَّى الله عليه و آله ) و الأئمة المعصومين ( عليهم السَّلام ) حتى نتوصل إلى الرأي الإسلامي الصائب في هذا المجال .

التفسير الاسلامي للرؤى و الاحلام

سأل محمدُ بن القاسم النوفلي الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السَّلام ) أسئلة حول حقيقة المشاهد و الأشياء التي يشاهدها النائم ، فأجابه الإمام ( عليه السَّلام ) عنها باختصار ، و اليك نص الرواية :
قال : قلت لأبي عبد الله الصادق ( عليه السَّلام ) : المؤمن يرى الرؤيا فتكون كما رآها ، و ربما رأى الرؤيا فلا تكون شيئا ؟
فقال : " إن المؤمن إذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة إلى السماء ، فكل ما رآه روح المؤمن في ملكوت السماء في موضع التقدير و التدبير فهو الحق ، و كل ما رآه في الأرض فهو أضغاث أحلام " .
فقلت له : أو تصعد روح إلى السماء ؟
قال : " نعم " .
قلت : حتى لا يبقى منها شئ في بدنه ؟
فقال : " لا ، لو خرجت كلها حتى لا يبقى منها شئ إذن لمات " .
قلت : فكيف تخرج ؟
فقال : " أما ترى الشمس في السماء في موضعها و ضوئها و شعاعها في الأرض ، فكذلك الروح أصلها في البدن و حركتها ممدودة إلى السماء " 3 .

المعنى اللغوي اولا

لكي تكون دراستنا لمسألة الرؤى و الأحلام دراسة دقيقة لابد و إن نعرف المعنى اللغوي للرؤيا و الحلم و مترادفاتهما من حيث اللغة العربية ، و لكي نتعرف على المعنى اللغوي لابد من مراجعة كتب اللغة أولاً .
قال في القاموس : الحُلم و الحُلُم : بالضم ، و بضمتين ، الرؤيا ، ... و الاحتلام الجماع في النوم و الاسم الحُلُم كعنق .
و قال الدكتور أحمد فتح الله : الرؤيا : ما يرى في النوم 4 .
و قال الأستاذ محمد قلعجي : الرؤيا : على و زن فُعلى ، و قد تُخفف فيه الهمزة فيقال الرؤيا ، ج رؤى ، ما يراه النائم في المنام ،﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ... ﴾ 5.، Dream 6 .
و قال البيضاوي : الرؤيا كالرؤية غير أنها مختصة بما يكون في المنام 7 .
و قال الدكتور سعدي أبو حبيب : الرؤيا : ما يراه النائم في نومه . و يرادف الرؤيا حلم ( جمع ) أحلام . و قد غلب اسم الرؤيا على ما يراه النائم من خير ، و الحلم على ما يراه من شر . و في الحديث الشريف : " الرؤيا من الله ، و الحلم من الشيطان " 8 .

اقسام الرؤيا

تنقسم مشاهدات الإنسان في المنام إلى مشاهدات حسنة يستبشر بها الإنسان المؤمن فيرى فيها ما يسره و يرتاح إليه ، و أخرى قبيحة و مهولة يفزع منها الإنسان و يستيقظ على إثرها مرعوباً ، و أخرى تكون على شكل لقطات غير مترابطة و مبعثرة و التي يعبَّر عنها بأضغاث الأحلام ، أي ضغثاً من كل حلم و هي ترسبات متبقية من مجموعة ما شاهده في منامه من الأحلام التي يشاهدها الإنسان فينسى منها الكثير و لا يتذكر منها إلا بعض اللقطات ، لقطة من هنا و أخرى من هناك فتشكل بمجموعها حلماً و احداً غير مترابط الأجزاء ، أو تكون من ترسبات الأفكار و التخيلات و الأماني التي تطرأ على الفكر خلال اليقظة .
فقد روي عن رسول الله ( صلَّى الله عليه و آله ) أنه قال : الرؤيا ثلاثة : بشرى من الله ، و تحزين من الشيطان ، و الذي يحدث به الإنسان نفسه فيراه في منامه 9 .
و قال ( صلَّى الله عليه و آله ) : الرؤيا من الله و الحلم من الشيطان 9 .
و قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه : بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم أنه قال : " الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة و أربعين جزءً من النبوة" 10 .
و كان يقول صلى الله عليه و على آله و سلم : " لم يبق بعدي إلا المبشرات " .
قالوا : و ما المبشرات يا رسول الله ؟
قال : " الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له ، جزء من ستة و أربعين جزءً من النبوة " 11 .
و عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبى عمير ، عن سعد بن أبي خلف ، عن أبي عبد الله ( عليه السَّلام ) قال : الرؤيا على ثلاثة وجوه : بشارة من الله للمؤمن و تحذير من الشيطان و أضغاث أحلام 12 .

الرؤيا الصالحة

و هي الرؤيا الصادقة الواضحة التي لا تحتاج إلى تعبير أو تكون قابلة للتعبير ، و هي بشرى من الله سبحانه و تعالى يراها الأنبياء و الصالحون ، و هذه الرؤيا تكون بالنسبة إلى الأنبياء من أقسام الوحي، فعن ابن عباس : إن أول ما ابتدأ به رسول الله صلى الله عليه و آله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، و كان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح 13 .
و عن الإمام محمد بن علي الباقر ( عليه السَّلام ) قال : " قال رجل لرسول الله ( صلَّى الله عليه و آله ) : في قول الله عَزَّ و جَلَّ :﴿ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... ﴾ 14  قال : هي الرؤيا الحسنة يرى المؤمن فيبشر بها في دنياه " 15 .
و لا شك أن الرؤيا الصادقة حقيقة ثابتة في القرآن و السنة ، فالقرآن الكريم ذكر العديد من الرؤى التي رآها الأنبياء ( عليهم السَّلام ) ، كما ذكر رؤىً أخرى لغيرهم من الناس ، و إليك بعضاً منها :
1. رؤيا النبي ( صلَّى الله عليه و آله ) التي ذكرها القرآن الكريم :﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ 5.
2. رؤيا النبي يوسف ( عليه السَّلام ) التي ذكرت في القرآن الكريم :﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ 16.
3. رؤيا السجينين اللذين كانا مع يوسف ( عليه السَّلام ) في السجن و التي عبرها لهما ، و التي ذكرها القرآن الكريم كالتالي :﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ 17 ... ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ 18.
4. رؤيا ملك مصر التي عبرها النبي يوسف ( عليه السَّلام ) و التي ذكرت في القرآن الكريم كالتالي :﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ 19.
5. رؤيا النبي إبراهيم ( عليه السَّلام ) و هو يذبح أبنه إسماعيل ( عليه السَّلام ) و التي ذكرت في القرآن الكريم كالتالي :﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ 20.
إلى غيرها من الرؤى المذكورة في القرآن الكريم و الأحاديث الشريفة .

[اشترك]

كيف نجعل رؤانا صادقة ؟

و قد يسأل البعض عن إمكانية التوفيق لرؤية الرؤى الصالحة و يقول هل هناك آداب أو سنن خاصة يتمكن الإنسان من اتباعها حتى تصبح منامات الإنسان و رؤاه صالحة ، أم أنها خارجة عن إرادته بالمرَّة .
في الجواب لابد أن نقول ، إن قسما من الرؤى تكون خارجة عن إرادة الإنسان و لا يمكن التحكم فيها ، لكن هناك مجموعة من الآداب و السنن تمكِّن الإنسان من توفير الشروط المناسبة لرؤية الرؤى الصادقة القابلة للتعبير ، و اليك بعضاً منها :
1. أن ينام الإنسان و هو على طهارة ، فقد روي عن أمير المؤمنين ( عليه السَّلام ) : " لا ينام المسلم و هو جنب و لا ينام إلا على طهور " 21 .
2. أن يسبِّح الإنسان تسبيح الزهراء ( عليها السَّلام ) قبل النوم ، و كيفية تسبيحها ( عليها السَّلام ) هو التكبير 22 أربعا و ثلاثون مرة ، ثم التحميد 23 ثلاثاً و ثلاثون مرة ، ثم التسبيح 24 ثلاثاً و ثلاثون مرة .
3. أن يستعيذ النائم بالله عَزَّ و جَلَّ من الشيطان الرجيم و يذكر الله جل جلاله قبل النوم : فقد روي عن الإمام الصادق( عليه السَّلام ) في علة تخلف بعض الرؤيا مع كونها في السحر : " ... إلا أن يكون جنبا أو يكون على غير طهور و لم يذكر الله عَزَّ و جَلَّ حقيقة ذكره فإنها تختلف و تبطئ على صاحبها ... " 25 .
و هناك بعض العوامل الأخرى المؤثرة التي تساعد على جعل الرؤيا صادقة و قابلة للتعبير كالوقت الذي يشاهد فيه الإنسان الرؤيا .

وقت الرؤيا

قال أرباب التعبير : رؤيا الليل أقوى من رؤيا النهار ، و أصدق ساعات الرؤيا وقت السحر 26 .
و رُوِيَ عن أبي سعيد قال : أصدق الرؤيا بالأسحار 27 .
و قال ابن حجر في " فتح الباري " : ذكر الدينوري أن رؤيا أول الليل يبطئ تأويلها ، و من النصف الثاني يسرع ، و إن أسرعها تأويلا وقت السحر و لا سيما عند طلوع الفجر 27 .
و عن الإمام جعفر الصادق ( عليه السَّلام ) : " أسرعها تأويلا رؤيا القيلولة " 27 .
و عن أبي بصير قال قلت لأبي عبد الله ( عليه السَّلام ) الرؤيا الصادقة و الكاذبة مخرجهما من موضع واحد .
قال : " صدقت أما الكاذبة المختلفة فان الرجل يراها في أول ليله في سلطان المردة و الفسقة و إنما هو شيء يخيل إلى الرجل و هي كاذبة مخالفة لا خير فيها و أما الصادقة إذا رآها بعد الثلثين من الليل مع حلول الملائكة و ذلك قبل السحر فهي صادقة لا تختلف إن شاء الله إلا أن يكون جنبا أو يكون على غير طهور و لم يذكر الله عَزَّ و جَلَّ حقيقة ذكره فإنها تختلف و تبطئ على صاحبها فان كان قد دخل فراشه و شق عليه الخروج للوضوء فليتيمم بغبار " 25 .

تعبير الرؤيا

تعبير الرؤيا أو تفسيره و تأويله هو من الأمور العجيبة ، و هو في الغالب موهبة إلهية و الهام من قبل الله جل جلاله ، و علامة ربَّانية للمعبر .
و تعبير الرؤيا أو تأويله إنما هو فهم الرؤيا و فكِّ رموزها و من ثم تطبيق المشاهدات التي شاهدها النائم في منامه على الواقع الخارجي للشخص الرائي أو الذي ترى الرؤيا له ، و هذا لا يحصل طبعاً إلا لمن و فقهم الله لذلك .
و من الواضح أن تحقق الرؤيا الصادقة إنما تكون بتحقق تفسيرها لا بتحقق نفس المشاهدة حرفياً ، يقول العلامة المجلسي ( قدس الله سره ) : إن تعبير الرؤيا لا يجب أن يكون مطابقا للرؤيا بحسب الصورة و الصفة من كل الوجوه ، فسجود الكواكب و الشمس و القمر تعبيره تعظيم الأنوار من الناس له ، و لاشك أن ذهاب يعقوب مع أولاده من كنعان إلى مصر لأجل نهاية التعظيم له فيكفي هذا القدر في صحة الرؤيا فأما أن يكون التعبير مساويا لأصل الرؤيا في الصفة و الصورة فلم يقل بوجوبه أحد من العقلاء 28 .

المعبر و اهلية التعبير

لاشك و إن تعبير الرؤيا و تأويلها يحتاج إلى أهلية خاصة ، لذا يجب على من أراد أن يعرف تأويل رؤاه و تفسير أحلامه أن يراجع من يمتلك الأهلية و الموهبة الخاصة ، و ليس له أن يراجع كل من يدعي القدرة على تفسير الرؤى و الأحلام .
يقول العلامة الفيض الكاشاني مبدياً رأيه بالنسبة إلى تعبير الرؤيا : هو تطبيق المثال المحفوظ على الممثل و هو من العلوم الحدسية التي يقل الحذق فيها إلا لمن و فقه الله و للخائضين في أسرار الشريعة المقدسة الناظرين في بطون الكتاب المجيد الذي فيه تبيان كل شئ 29 .
و عن أبي جعفر ( عليه السَّلام ) أن رسول الله كان يقول : إن رؤيا المؤمن ترف بين السماء و الأرض على رأس صاحبها حتى يعبرها لنفسه أو يعبرها له مثله فإذا عبرت لزمت الأرض فلا تقصوا رؤياكم إلا على من يعقل 30 .
و عن أبي عبد الله ( عليه السَّلام ) قال : قال رسول الله ( صلَّى الله عليه و آله ) : الرؤيا لا تقص إلا على مؤمن خلا من الحسد و البغي 30 .
و لعل السر في ذلك أن غير المؤمن و الحاسد إذا عبر الرؤيا ، عبرها بوحي من الحسد و البغض و بتعبير سيئ ، فيوشوش ذهن صاحب الرؤيا ، و يفسد عليه فكره و يُنغِّص عيشه .

تاخر تفسير الرؤيا

و ربما يتأخر تحقق الرؤيا الصادقة التي رآها الإنسان في المنام عن زمن المشاهدة فترة طويلة لربما وصلت إلى عشرات السنين .
فعن ابن عبد البر في كتاب بهجة المجالس و أنس الجالس أنه قيل لجعفر الصادق ( عليه السَّلام ) : و هو أحد الأئمة الاثنا عشر : كم تتأخر الرؤيا ؟
فقال : " خمسين سنة لان النبي ( صلَّى الله عليه و آله ) رأى كأنَّ كلباً أبقع ولغ في دمه ، فأوَّله بأن رجلا يقتل الحسين ابن بنته ، فكان الشمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين ( عليه السَّلام ) ، و كان أبرص ، فتأخرت الرؤيا بعد خمسين سنة " 31 .

الاعتماد على الرؤيا

اتضح مما بيَّناه أن مشاهدات الإنسان التي تصلح لأن تكون موضع اهتمام الإنسان إنما هي الرؤيا الصادقة فحسب ، أما غيرها من أقسام المشاهدات فلا اعتبار لها أساساً .
ثم أن الرؤيا الصادقة التي يشاهدها الإنسان العادي رغم كونها من المبشرات السارة الداعية إلى الابتهاج و السرور ، إلا أنها ليست من الناحية الشرعية حجة ، فلا توجب تكليفاً و لا تحلل حراما ، حتى لو شاهد الإنسان أحد الصالحين أو المعصومين ( عليهم السَّلام ) يأمره بذلك .
بل المفروض هو الاقتصار على الإستيناس بالرؤى ، و الاعتبار بها و التأثر بمواعظها ، إذا كان فيها ما يذكرنا بالله و يحذرنا من معصيته ، أما الاعتماد على الرؤى و البناء عليها و الأخذ بأوامرها فمما لا دليل عليه .
فعن المفضل بن عمر عن الصادق ( عليه السَّلام ) قال : " ... فكر يا مفضل في الأحلام كيف دبر الأمر فيها ، فمزج صادقها بكاذبها ، فإنها لو كانت كلها تصدق لكان الناس كلهم أنبياء و لو كانت كلها تكذب ، لم يكن فيها منفعة بل كانت فضلا لا معنى له فصارت تصدق أحيانا فينتفع بها الناس في مصلحة يهتدي بها أو مضرة يحذر منها و تكذب كثيرا لئلا يعتمد عليها كل الاعتماد " 32 .

اضغاث الأحلام او الرؤيا المهولة

ربما تتشوش ذاكرة الإنسان فتأخذ من كل صورة ضغثا و تخلط بينها على وجه لا ينتزع منها شئ محصل و هذا هو المسمى بأضغاث الأحلام ، و يكثر هذا النوع من الأحلام غالباً في الفترة الأولى للنوم و لا سيما عند امتلاء المعدة ، لذا فقد روي أن اكذب الرؤيا ما كان أول الليل و اصدقها ما كان آخره .
فعن أبي بصير قال قلت لأبي عبد الله ( عليه السَّلام ) الرؤيا الصادقة و الكاذبة مخرجهما من موضع واحد .
قال : " صدقت أما الكاذبة المختلفة فان الرجل يراها في أول ليله في سلطان المردة و الفسقة و إنما هو شئ يخيل إلى الرجل و هي كاذبة مخالفة لا خير فيها و أما الصادقة إذا رآها بعد الثلثين من الليل مع حلول الملائكة و ذلك قبل السحر فهي صادقة لا تختلف إنشاء الله إلا أن يكون جنبا أو يكون على غير طهور ... " 25 .
و عن محمد بن سليمان الكوفي خرج النبي ( صلَّى الله عليه و آله ) إلى أصحابه ثم قال : أيها الناس إن الرؤيا على ثلاثة فالرؤيا الصادقة بشرى من الله تعالى و الأحلام من حديث النفس و الأضغاث من الشيطان33 .

كيف نتجنب مشاهدة الاحلام المزعجة

لكي نجنِّب أنفسنا مشاهدة الأحلام المزعجة و المهولة و نستريح منها لا بُدَّ و إن نأخذ بعين الاعتبار الآداب و السنن الشرعية التي الكفيلة ببيان السلوك الفكري و العملي للإنسان المسلم ، و هذه الآداب و السنن كما أنها تؤثر على حياة الإنسان خلال فترة اليقظة فإنها تؤثر أيضا على حياته خلال رحلة النوم ، فسلوك الإنسان و أخلاقه و معاشرته للناس و الأسرة ، و مسكنه و طعامه و التزامه الديني أو عدمه كلها من الأمور المؤثرة على سلامة النوم و ارتياح الإنسان خلال هذه الرحلة الغامضة ، و هناك تعاليم صحية ينصح بها الأطباء و أخرى نفسية و صحية ينصح بها علماء النفس ، لكن نعرض عنها و نكتفي هنا بأهم النصائح الدينية في هذا المجال و هي :
1. أن يتوضأ الإنسان ثم يأوي إلى فراشه .
2. أن يسبِّح الإنسان قبل نومه تسبيح السيدة فاطمة الزهراء ( عليها السَّلام ) ، و كيفية تسبيحها ( عليها السَّلام ) هو التكبير 22 أربعا و ثلاثون مرة ، ثم التحميد 23 ثلاثاً و ثلاثون مرة ، ثم التسبيح 24 ثلاثاً و ثلاثون مرة .

كيف نأمن عواقب الاحلام المكروهة ؟

كثيراً ما يتفق للإنسان أن يرى في منامه أحلاماً مزعجة و مرعبة يشاهد فيها أموراً يكرهها ، فيستيقظ على إثرها ذعراً و يبقى من نتيجتها قلقاً متخوفاً لا يدري إلى ما يؤول أمره و ما سيحدث له ، و لربما ينتهي أمره إلى العلاج النفسي ، فهل هناك وسيلة يمكن استخدامها لتجنُّب رؤية هذا النوع من الأحلام المزعجة و المروعة ؟
نعم هناك العديد من الآداب و السنن الإسلامية التي لو راعاها الإنسان حالت دونه مشاهدة تلك الأحلام ، و منعت عنه أي مكروه احتمالي ، و في ما يلي نشير إلى بعضٍ منها :
عن العلامة المجلسي نقلاً عن عدة الداعي : لدفع عاقبة الرؤيا المكروهة : تسجد عقيب ما تستيقظ منها بلا فصل و تثني على الله بما تيسر لك من الثناء ، ثم تصلي على محمد و آله ، و تتضرع إلى الله و تسأله كفايتها ، و سلامة عاقبتها ، فانك لا ترى لها أثرا بفضل الله و رحمته 34 .
و كان  رسول الله  ( صلَّى الله عليه و آله ) إذا راعه شئ في منامه قال : " هو الله لا شريك له " 35 .
و عن أبي سعيد الخدري عنه ( صلَّى الله عليه و آله ) قال : " إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها و ليحدِّث بها ، و إذا رأى غيره مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها و لا يذكرها لأحد فإنها لا تضره " 36 .
و لا بُدَّ من التنبيه في ختام هذا البحث إلى أن على الإنسان المسلم أن لا يستسلم للرؤيا و الأحلام كما هو حال بعض الفاشلين الذين يُعوِّلون في كل مجالات حياتهم على الرؤى و الأحلام ، و يترك العمل و الإجتهاد و التخطيط و السعي لبناء الحياة و حلِّ مشاكلها ، فإن الدنيا دار عمل و جد و إجتهاد ، و النجاح لمن خطط و عمل و جدَّ و أجتهد ، لا من عوَّل على الأحلام و الرؤى ، و إن كانت بعض الرؤى الصادقة تُعطي دفعة و تنير الدرب و تفتح نافذة من الأمل في وجه العاملين الجادِّين .

الهوامش:

1. انظر جوزيف جاسترو ، الأحلام و الجنس : 115 ، نقلاً عن الأحلام بين العلم و العقيدة : 89 ، لعلي الوردي ، الطبعة الثانية ، سنة : 1994 ميلادية ، طبعة : دار كوفان / لندن .

2. انظر فرانك كاربريو ، تفسير السلوك : 279 ، نقلاً عن الأحلام بين العلم و العقيدة : 89 ، لعلي الوردي ، الطبعة الثانية ، سنة : 1994 ميلادية ، طبعة : دار كوفان / لندن .

3. الأمالي : 209 ، للشيخ الصدوق ( قدَّس الله نفسه الزَّكية ) .

 4. معجم ألفاظ الفقه الجعفري : 201 .

 5. a. b. القران الكريم: سورة الفتح (48)، الآية: 27، الصفحة: 514.

6. معجم لغة الفقهاء : 228 .

7. بحار الأنوار ( الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ( عليهم السلام ) ) : 58 / 152 ، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي ، المولود باصفهان سنة : 1037 ، و المتوفى بها سنة : 1110 هجرية ، طبعة مؤسسة الوفاء ، بيروت / لبنان ، سنة : 1414 هجرية .

 8. القاموس الفقهي : 101 .

9. a. b. بحار الانوار : 58 / 191 .

10. الاحكام : 2 /550 ، ليحيى بن الحسين بن قاسم .

11. الاحكام : 2 /550 .

12. الكافي : 8 / 90 ، للشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكُليني ، المُلَقَّب بثقة الإسلام ، المتوفى سنة : 329 هجرية ، طبعة دار الكتب الإسلامية ، سنة : 1365 هجرية / شمسية ، طهران / إيران .

13. حلية الابرار : 1 / 67 ، للسيد هاشم البحراني .

14. القران الكريم: سورة يونس (10)، الآية: 64، الصفحة: 216.

 15. الكافي : 8 / 90 .

16. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 4 و 5، الصفحة: 235.

17. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 36 و 37، الصفحة: 239.

18. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 41، الصفحة: 240.

19. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآيات: 43 - 49، الصفحة: 240.

20. القران الكريم: سورة الصافات (37)، الآيات: 102 - 105، الصفحة: 449.

21. التحفة السنية : 317 ، للفيض الكاشاني .

22. a. b. التكبير : قول : " الله أكبر " .

23. a. b. التحميد : قول " الحمد لله " .

24. a. b. التسبيح : قول " سبحان الله " .

25. a. b. c. التحفة السنية : 317 .

26. بحار الأنوار : 58 / 194 .

27. a. b. c. بحار الأنوار : 58 / 195 .

28. بحار الأنوار : 12 / 337 .

29. التحفة السنية : 319 .

30. a. b. الكافي : 8 / 336 .

31. بحار الأنوار : 62 / 60 .

32. الفصول المهمة في أصول الأئمة : 1 / 690 .

33. مناقب أمير المؤمنين : 2 / 280 .

34. بحار الانوار : 73 / 220 .

35. بحار الأنوار : 73 / 203 .

36. بحار الأنوار : 58 / 192 .

2025/06/08

من هم «الأبدال»؟ وما علاقتهم بـ «الشام»؟!

يتداول الكثيرون روايات عن "الأبدال" وارتباطهم بالشام، مما يثير تساؤلات عن أصل هذه الروايات وصحتها ومدى توافقها مع عقيدة أهل البيت عليهم السلام. في هذا المقال نكشف عن بعض ما نعرفه عن هذا المصطلح من خلال النصوص.

المعنى الحقيقي للأبدال كما بينه أهل البيت عليهم السلام

روى خالد بن أبي الهيثم الفارسي سؤالاً مباشراً وجهه للإمام الرضا عليه السلام حول هذا المفهوم: "إن الناس يزعمون أن في الأرض أبدالاً، فمن هم هؤلاء الأبدال؟"

[اشترك] 

جاء جواب الإمام واضحاً: "صدقوا، الأبدال هم الأوصياء، جعلهم الله عز وجل في الأرض بدل الأنبياء، إذا رفع الأنبياء، وختمهم بمحمد صلى الله عليه وآله".

هذه الرواية تهدم أساس الفهم الشائع للأبدال وتعيد المصطلح إلى معناه الصحيح: الأوصياء الذين جعلهم الله بدلاً من الأنبياء، وهم الأئمة المعصومون من أهل البيت عليهم السلام.

في دعاء أم داود المروي عن الإمام الصادق عليه السلام، يرد ذكر الأبدال في سياق يستحق التأمل:

"اللهم صل على محمد وآل محمد، وارحم محمداً وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد، كما صليت، ورحمت، وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم صل على الأوصياء والسعداء، والشهداء، وأئمة الهدى، اللهم صل على الأبدال والأوتاد، والسياح والعباد، والمخلصين والزهاد، وأهل الجد والاجتهاد".

لكن ما ورد في هذا الدعاء جاء على سبيل النعت والتوصيف، ولا يدل على وجود أشخاص محددين يطلق عليهم هذا الاسم. بل إن الصفات المذكورة تنطبق حقيقةً على أئمة الهدى عليهم السلام، وإطلاقها على غيرهم يكون على سبيل المجاز والتسامح في التعبير.

موقف الأئمة من روايات "أبدال الشام"

ثمة رواية مهمة تكشف موقف الأئمة عليهم السلام من أحاديث أبدال الشام. روى الشيخ المفيد عن محمد بن سويد الأشعري قال:

"دخلت أنا وفطر بن خليفة، على جعفر بن محمد، فقرب إلينا تمراً فأكلنا، وجعل يناول فطراً منه.. ثم قال له: كيف الحديث الذي حدثتني عن أبي الطفيل في الأبدال؟"

فقال فطر: "سمعت أبا الطفيل يقول: سمعت علياً أمير المؤمنين عليه السلام يقول: الأبدال من أهل الشام، والنجباء من أهل الكوفة، يجمعهم الله لشر يوم لعدونا.."

رد الإمام الصادق عليه السلام بكلام يوحي بعدم رضاه عن مضمون هذا الحديث: "رحمكم الله، بنا يبدأ البلاء ثم بكم. وبنا يبدأ الرخاء ثم بكم، رحم الله من حببنا إلى الناس، ولم يكرِّهنا إليهم".

يلفت النظر أن الإمام عليه السلام كان يناول التمر لفطر بن خليفة (وهو من رجال العامة)، مما قد يشير إلى أنه أراد التلطف به لاستخراج إقراره بالحديث، تمهيداً لإعلان عدم رضاه عن مثل هذه الروايات.

بعد أن نقل فطر الحديث، أعلن الإمام بلطف وحكمة عدم رضاه عن مضمونه، ربما لأنه اعتبره:

  1. وسيلة للتحريض على أهل البيت وشيعتهم.
  2. إثارة للمناوئين ضدهم، إذا علموا أن الشيعة سيجتمعون يوماً لمواجهتهم.
  3. تأييداً لحكم بني أمية وتقوية لهم، مما يزيد من معاناة أهل البيت وشيعتهم.

من وضع حديث الأبدال ولماذا؟

[اشترك]

من خلال تحليل الروايات والمواقف، يظهر أن حديث الأبدال في الشام قد وضعه الأمويون ورَوّجوا له لتحقيق هدف محدد: تأييد ملكهم وسلطانهم وإضفاء نوع من القدسية على منطقة نفوذهم.

المثير للاهتمام أن هذا الحديث لا أثر له في كتب شيعة أهل البيت عليهم السلام، وهذا يعزز فرضية كونه موضوعاً.

يتضح مما سبق:

- الأبدال في المعنى الحقيقي هم الأوصياء الذين جعلهم الله بدلاً من الأنبياء.

- حديث أبدال الشام موضوع بهدف تقوية سلطان الأمويين.

- الأئمة عليهم السلام لم يقبلوا بهذا التفسير وأظهروا عدم رضاهم عنه.

- لا يصح تطبيق روايات أبدال الشام على شيعة أهل البيت الذين يعيشون في بلاد الشام.

وعلى الواعي أن يتحرى في قبول الروايات وأن يرجع إلى المصادر الموثوقة، خاصة فيما يتعلق بالمفاهيم العقائدية المهمة.

2025/05/21

هل يسمعنا الموتى؟!

كثيراً ما يثار الجدل حول مسألة التوسل بالأولياء والأنبياء وسماع الموتى في العقيدة الإسلامية. هنا في هذا المقال نسلط الضوء على هذه المسائل من منظور إسلامي استناداً إلى النصوص القرآنية والروايات المعتبرة.

يعتقد المسلمون جميعاً أن سؤال الله تعالى هو الأساس في استغاثاتهم وحاجاتهم، وذلك لأن الله وحده يملك مفاتيح كل شيء، وله السلطان المطلق على كل ما يقع في الكون من خير أو شر.

يتجلى هذا في قوله تعالى: "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ"، مما يؤكد أن الله تعالى هو المبدع والمدبر لكل شيء.

[اشترك]

وقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام قوله: "كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: لا يجد عبدٌ طعم الإيمان حتى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأنَّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنَّ الضار النافع هو الله عزّ وجلّ".

الله تعالى هو المانح للمنفعة والضرر، حيث إن كل نفع وضرر هو بتقديره تعالى حتى وإن كان بواسطة غيره. النفع والضرر الحقيقيان منه مباشرة، أما الضرر اليسير الواقع بواسطة الغير والذي يعقبه جزاء وفير في الآخرة فلا يعد ضرراً حقيقياً بل نسبياً.

كذلك، المنافع الدنيوية الفانية إذا كانت مصحوبة بعقوبات أخروية فهي في جوهرها ضرر. وبصورة عامة، كل نفع وضرر يُعتد بهما يكونان من عند الله تعالى، وكل ما يحدث بواسطة غيره يكون إما بتوفيقه أو بخذلانه.

الأسباب والعلل التي نراها في الظواهر الطبيعية ما هي إلا وسائل تُستخدم لتحقيق مشيئة الله، فهي تعمل كأدوات لتنفيذ إرادته، وليس لها قدرة مستقلة بذاتها. هذا يوضح أن لكل ظاهرة طبيعية أساساً إلهياً يكمن وراءها تحت إشراف الله تعالى.

العلم بالنظام الكوني وقوانينه لا يتعارض مع الاعتقاد بالسلطان الإلهي المطلق، بل يظهر أن الله تعالى يدبر شؤون خلقه باستخدام هذه الأسباب التي تبدو كقوى مستقلة لكنها في الحقيقة مجرد أدوات لتحقيق مشيئته.

من الأسباب التي يعتمدها المسلمون في دعائهم طلبهم من الله تعالى أن يستجيب لمطالبهم بحق أوليائه وأنبيائه، مشيرين إلى مكانتهم وكرامتهم عنده. لذا يكون دعاؤهم: "أسألك بحق نبيِّك وأوليائك أنْ تقضي حاجتي".

يستند هذا النهج إلى حديث أنس بن مالك عند وفاة فاطمة بنت أسد أم علي، حيث قال النبي صلى الله عليه وآله: "الله الذي يحيي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقّنها حجّتها، ووسّع عليها مُدخَلَها بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي، فإنّك أرحم الراحمين".

في المقابل، شدد ابن تيمية على رفع اليدين مباشرة بالدعاء إلى الله تعالى دون استخدام وسائط. وحسب رأيه، فإن الوساطة بين العبد وخالقه تعتبر شركاً أو بدعة في الدين.

سماع الموتى: فهم الآية الكريمة

[اشترك]

الآية الكريمة: "وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ" تحتاج إلى تفسير دقيق.

هذه الآية تتحدث عن المفاضلة بين المؤمن والكافر، حيث تشير كلمة "الأحياء" إلى المؤمنين الذين يملكون حياة معنوية وروحية، بينما تشير كلمة "الأموات" إلى الكافرين الذين ماتت قلوبهم روحانياً.

التعبير "وما أنت بمسمعٍ من في القبور" كناية عن عدم تأثير دعوة النبي صلى الله عليه وآله في قلوب الكافرين الميتة بسبب كفرهم وعنادهم، وليس عن عدم قدرة الموتى الحقيقية على السماع.

يقول العلامة الطباطبائي: "وما يستوي الأحياء ولا الأموات تمثيلات للمؤمن والكافر... إن الله يسمع من يشاء وهو المؤمن كان ميتاً فأحياه الله فأسمعه لما في نفسه من الاستعداد... وما أنت بمسمع من في القبور أي الأموات، والمراد بهم الكفار المطبوع على قلوبهم".

أدلة سماع الموتى

سماع الموتى يعني قدرة الأموات في عالم البرزخ على سماع أصوات الأحياء في عالم الدنيا. قبول هذه المسألة يتوقف على الإيمان بالحياة البرزخية وأن حقيقة الموت ليست انعدام الشيء بل الانتقال من عالم إلى آخر.

هناك آيات قرآنية تفيد أن الموتى يسمعون في بعض الحالات:

  1. 1. "وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ" [السجدة: 12]. هذه الآية تدل على أن الموتى يُعاد إليهم السمع والبصر في ظروف خاصة.
  2. 2. "فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ" [ق: 22]. يوم القيامة يُعاد للإنسان إدراكه الكامل بعد الموت.
  3. 3. "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ" [البقرة: 243]. هذا يدل على أن الله يستطيع أن يعيد السمع والبصر للأموات وقتما يشاء.

أما من السنة النبوية، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وآله خاطب قتلى المشركين في بدر قائلاً: "هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟" وعندما سأله عمر: "يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟" أجاب: "والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم".

[اشترك]

وفقاً للمذهب الشيعي، الموتى يعيشون في حياة البرزخ، وهي حياة تختلف عن حياتنا الدنيوية. للموتى إدراك خاص بها، وعدم سماعنا لهم لا يعني أنهم لا يسمعوننا.

قال الصدوق: "اعتقادنا في المسألة في القبر أنها حق لا بد منها، ومن أجاب الصواب، فاز بروح وريحان في قبره، وبجنة النعيم في الآخرة، ومن لم يجب بالصواب، فله نزل من حميم في قبره، وتصلية جحيم في الآخرة".

الروايات الصريحة تؤكد أن زيارة القبور والدعاء عندها يسمعها الموتى وينتفعون بها. فقد سأل محمد بن مسلم الإمام الصادق عليه السلام: "الموتى نزورهم؟" فقال: "نعم". قلت: "فيعلمون بنا إذا أتيناهم؟" فقال: "إي والله إنهم ليعلمون بكم ويفرحون بكم، ويستأنسون إليكم".

وصفوة القول: الميت لا يضر ولا ينفع بذاته، بل كل شيء بيد الله تعالى. ما يُنسب للموتى من تأثير - كشفاعة الصالحين أو دعاء المظلوم - هو بإذن الله تعالى وليس بقدرتهم الذاتية.

الآية المذكورة لا تدل على نفي سماع الموتى مطلقاً، بل تتحدث عن الكافرين الذين ماتت قلوبهم عن الحق. وهناك آيات وأحاديث كثيرة تؤكد سماع الموتى في سياقات معينة، مما ينسجم مع الاعتقاد الصحيح بأن الموتى في عالم البرزخ لهم إدراك وروحانية خاصة.

زيارة القبور وطلب الشفاعة عند الأولياء أمر مشروع ومسنون في الفكر الإسلامي، ولا يتعارض مع النصوص القرآنية.

2025/05/13

الرحلة المجهولة: ماذا يحدث للإنسان بعد الموت؟!

بعد أن انتهى الآن من دفن أبيه الذي توفيّ ليلة أمس، وقف وليد حائراً أمام سؤال قفز أمامه وهو ينظر إلى أكوام التراب التي تجمّعت فوق جثمان والده.

[اشترك] 

توجّه مباشرة إلى أحد رجال الدين الذي كان يتواجد بالقرب من الجنازة وسأله: "يا سيدي، لطالما شغلني سؤال: ما مصير من يتبعون الأئمة بعد موتهم؟ هل يبقون في قبورهم أم يحيون حياة أخرى قبل يوم القيامة؟" تنهّد رجل الدين وأجاب: "يا بني، إن للمكلفين من رعايا الأئمة عليهم السلام بعد الوفاة أحوالاً مختلفة، وهم على أربع طبقات."

الطبقات الأربع لرعايا الأئمة بعد الوفاة

أقول: إن المكلفين من رعايا الأئمة عليهم السلام بعد الوفاة ينقسمون إلى أربع طبقات:

الطبقة الأولى: المنعَّمون في الجنان

طبقة يحييهم الله عز وجل بعد موتهم ويسكنهم مع أوليائهم في الجنان. وهم المستبصرون في المعارف (الذين أدركوا الحقائق الدينية)، المتمحضون للطاعات (المخلصون في عباداتهم).

الطبقة الثانية: المعذَّبون في محل الهوان

طبقة يحيون بعد موتهم ويُلحقون بأئمتهم في محل الهوان. وهم المعاندون للحق، المسرفون في اقتراف السيئات.

الطبقة الثالثة: المشكوك في حياتهم

طبقة أقف فيهم وأجوّز حياتهم وأجوّز كونهم على حال الأموات. وهم الفاسقون من أهل المعرفة والصلاة، الذين اقترفوا الآثام على التحريم لها، للشهوة دون العناد والاستحلال، وسوّفوا التوبة منها فاخترموا (ماتوا) دون ذلك.

فهؤلاء جائز من الله عز وجل اسمه:

- رفع الموت عنهم لتعذيبهم في البرزخ على ما اكتسبوه من الإجرام

- تطهيرهم بذلك منها قبل الحشر ليردوا القيامة على الأمان من نار جهنم

- ويدخلوا بطاعتهم الجنان

وجائز أيضاً:

- تأخير حياتهم إلى يوم الحساب لعقابهم هناك أو العفو عنهم كما يشاء الله عز وجل

وأمرهم في هذين القسمين مطوي عن العباد.

الطبقة الرابعة: من لا يحيون حتى النشور

طبقة لا يحيون بعد الموت حتى النشور والمآب. وهم المقصرون عن الغاية في المعارف عن غير عناد، والمستضعفون من سائر الناس.

مصدر هذا التقسيم ومنهجه

وهذا القول على الشرح الذي أثبتُّ هو مذهب نقلة الآثار من الإمامية، وطريقه السمع وصحيح الأخبار، وليس لمتكلميهم من قبل فيه مذهب مذكور.

2025/04/22

تصريح أو تلميح: لماذا لم يُذكر اسم الإمام علي في القرآن الكريم؟!

يرى بعض المسلمين أنها قضية محيّرة وتساؤل مثير: لماذا لم يرد اسم الإمام علي بن أبي طالب صراحةً في القرآن الكريم رغم مكانته العظيمة؟ قضية استخدمها المخالفون كحجة، وأجاب عنها المؤيدون بتفسيرات متعددة تكشف عن حكمة إلهية وأبعاد تشريعية. لنستعرض معاً الإجابات التي قدمها علماء الشيعة لهذا السؤال المحوري في الفكر الإسلامي.

[اشترك]

حكمة إلهية تتجاوز فهمنا المحدود

اقتضت الحكمة الإلهية عدم ذكر اسم الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وغيره من أئمة أهل البيت عليهم السلام في القرآن الكريم بشكل صريح. ونحن لا نعلم وجه الحكمة في كثير من الأمور، وهذا واحد منها. كما أن الحكمة الإلهية اقتضت أيضاً عدم بيان تفاصيل كثير من أمور الشريعة في القرآن الكريم، مثل تفاصيل أحكام الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها، ولم يقدح ذلك في وجوب تلك التفاصيل وضرورة الالتزام بها.

الإشارة بالصفة بدلاً من الاسم الصريح

ذكر الله تعالى الإمام علي عليه السلام بالصفة في آيات كثيرة تدل عليه بشكل جلي، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾، فقد نزلت هذه الآية في علي عليه السلام كما نص على ذلك بعض المفسرين.

وكذلك في قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾، فالإمام علي هو المشار إليه في الآية بـ"الأنفس".

وأيضاً في قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وغير ذلك من الآيات الكثيرة. وهذه الإشارات كافية في الدلالة على فضل أمير المؤمنين عليه السلام، ولا حاجة لذكره بالاسم ما دامت الصفة وافية ببيان المراد.

حماية القرآن من التحريف

أراد الله تعالى أن يحفظ القرآن الكريم من كل تحريف وتبديل، وذكر اسم علي عليه السلام بشكل صريح كان سيستدعي محاولات للتحريف والتبديل، لأن أعداء أمير المؤمنين عليه السلام كانوا كثيرين. فمن تعاقبوا على حكم المسلمين ربما لم يكن ليقر لهم قرار إلا بمحو اسم علي من القرآن، وبذلك يُحرَّف القرآن ولا تتحقق أي فائدة من ذكر اسم أمير المؤمنين عليه السلام فيه.

ذكر الاسم لا يقنع المعاندين

إن من كان معانداً وحاقداً على أمير المؤمنين عليه السلام لا ينفع معه ذكر اسم علي عليه السلام في القرآن. فلو كانت هناك آيات في كتاب الله ورد فيها اسم علي عليه السلام صراحة، فإن المعاند سيؤولها ويحرف معناها، ويجعل الآية خالية من معناها المراد، فتنتفي الفائدة من ذكر اسم علي في كتاب الله العزيز.

تكامل القرآن والسنة في بيان الأحكام

تكفل القرآن بذكر العمومات وأصول الشريعة، أما تفاصيلها فقد تكفلت ببيانها السنة النبوية. وقد أوضحت السنة النبوية خلافة أمير المؤمنين عليه السلام بجلاء لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد. وكما أن كتاب الله حجة، فإن سنة النبي صلى الله عليه وآله حجة كذلك. ومتى ما جاء حديث واحد فيه إشارة إلى فضل علي عليه السلام أو كان دالاً على أنه هو الخليفة من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله كفى، ولا حاجة لطلب آية تدل على ذلك قد صرح فيها باسم علي عليه السلام.

2025/04/20

بين الموت والقيامة.. ما لا تعرفه عن عالم «البرزخ»!

تخيل أنك تقف أمام بحرين عظيمين، أحدهما عذب فرات والآخر ملح أجاج. يلتقيان دون أن يختلطا، وبينهما حاجز لا يُرى بالعين، لكن أثره واضح في فصل المياه. هكذا بالضبط تصور لنا الآيات القرآنية مفهوم "البرزخ" - ذلك العالم الذي يفصل بين حياة الإنسان في الدنيا وحياته في الآخرة.

[اشترك]

لكن ما حقيقة هذا العالم الذي نسمع عنه في المساجد والمجالس، ويثير في نفوسنا مزيجاً من الرهبة والفضول؟ وكيف وصفته النصوص الإسلامية؟ وما الذي ينتظرنا فيه؟

المعنى اللغوي والقرآني للبرزخ

لفهم المعنى الاصطلاحي للبرزخ في الدين، علينا أولاً معرفة أصله اللغوي. عند الرجوع إلى المعاجم، نجد أن "البرزخ" هو الحاجز بين شيئين، والمانع من اختلاطهما وامتزاجهما¹. وهو تعبير دقيق يصف طبيعة هذا العالم الفاصل بين النشأتين.

البرزخ في القرآن الكريم

ورد ذكر البرزخ في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع، كلها تؤكد المعنى السابق:

  1. قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾².
  2. وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾³.
  3. وقال عزّ من قائل: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾⁴.

في الآيتين الأوليين، استُخدمت الكلمة بمعناها المباشر كحاجز بين بحرين. أما في الآية الثالثة، فقد استعملها القرآن للإشارة إلى عالم آخر يفصل بين الدنيا والآخرة يمر به الإنسان بعد موته.

البرزخ في الأحاديث الشريفة

تؤكد الأحاديث النبوية الشريفة وروايات أهل البيت عليهم السلام أن "البرزخ" هو الفترة الزمنية الفاصلة بين حياة الإنسان في الدنيا وبعثه يوم القيامة. من هذه الأحاديث:

  1. عن عمرو بن يزيد قال: سألت الإمام الصادق (عليه السلام): "وما البرزخ؟" فأجاب: "القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة"⁵.
  2. وقال الإمام الصادق (عليه السلام) أيضاً: "البرزخ: القبر، وهو الثواب بين الدنيا والآخرة"⁶.

استمرارية الحياة بعد الموت

تقدم الرؤية الإسلامية تصوراً مختلفاً عن الموت، فهو ليس نهاية للحياة، بل مجرد انتقال من نشأة إلى أخرى. الإنسان ينتقل بواسطة الموت من حياة دنيوية إلى حياة برزخية تتوسط بين عالمي الدنيا والآخرة.

غموض التفاصيل

رغم وضوح وجود عالم البرزخ، إلا أن تفاصيل هذا العالم تبقى غامضة نسبياً. ما نعرفه عنه محدود بما ورد في النصوص الدينية من القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، والتي يمكن تلخيصها فيما يلي:

مراحل الحياة البرزخية

بداية الحياة البرزخية ونهايتها

تبدأ الحياة البرزخية من لحظة قبض روح الإنسان وإيداع جسده في القبر، وتستمر حتى قيام الساعة ويوم البعث. فهي مرحلة انتقالية بين الحياتين.

سؤال القبر

ما أن يودع الميت في قبره حتى يأتيه الملكان منكر ونكير ويسألانه. فإذا كان صالحاً، أُكرم وأُنعم، وإن كان طالحاً، عُذّب وأُهين.

حال الكافرين والمجرمين في البرزخ

يصف القرآن الكريم حال آل فرعون في البرزخ بقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾⁷. فهم يُعرضون على النار صباحاً ومساءً قبل يوم القيامة، وبعدها يُقحمون فيها.

حال الشهداء في البرزخ

أما الشهداء، فحالهم مختلف تماماً، إذ يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾⁸. ويصف حالهم بأنهم ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾⁹.

العلاقة بين عمل الإنسان وحاله في البرزخ

تتناسب حالة الإنسان في البرزخ مع عمله في الدنيا. فإن كان صالحاً، كانت حياته البرزخية طيبة، وإن كان فاسداً، كانت قاسية. وإلى ذلك أشار الإمام الصادق (عليه السلام): "إِنَّ لِلْقَبْرِ كَلَاماً فِي كُلِّ يَوْمٍ، يَقُولُ أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ، أَنَا بَيْتُ الْوَحْشَةِ، أَنَا بَيْتُ الدُّودِ، أَنَا الْقَبْرُ، أَنَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ"¹⁰.

النعيم والعذاب البرزخي مقارنة بالآخرة

رغم أهمية النعيم الذي يعيشه المؤمنون في البرزخ، وكونه من جنس نعم الجنة، إلا أنه لا يصل إلى مستوى نعيم الآخرة. وبالمثل، فإن عذاب العصاة والكافرين في البرزخ، رغم شدته، يبقى أقل بكثير مما سيواجهونه في نار جهنم يوم القيامة.

السفر نحو المجهول

البرزخ محطة انتقالية في رحلة الإنسان الأبدية، ليست نهاية المطاف، بل مرحلة مؤقتة نحو المصير النهائي. وكما أن المسافر يُعد عدته للرحلة، فعلينا الاستعداد لهذه المرحلة بالعمل الصالح والتقوى، لتكون روضة من رياض الجنة، لا حفرة من حفر النار.

---

الهوامش:

  1. يراجع: المقاييس: 1/333، ولسان العرب: 3/8، لجمال الدين أبو الفضل، المشتهر بابن منظور المصري، المولود سنة: 630 هجرية بمصر، والمتوفى بها سنة: 717 هجرية، الطبعة الثالثة، سنة: 1414 هجرية، دار صادر، بيروت/لبنان.
  2. القرآن الكريم: سورة الرحمن (55)، الآية: 19 و20، الصفحة: 532.
  3. القرآن الكريم: سورة الفرقان (25)، الآية: 53، الصفحة: 364.
  4. القرآن الكريم: سورة المؤمنون (23)، الآية: 100، الصفحة: 348.
  5. الكافي: 3/242، للشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني، الملقب بثقة الإسلام، المتوفى سنة: 329 هجرية، طبعة دار الكتب الإسلامية، سنة: 1365 هجرية/شمسية، طهران/إيران، وبحار الأنوار (الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (عليهم السلام)): 6/267، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي، المولود بأصفهان سنة: 1037، والمتوفى بها سنة: 1110 هجرية، طبعة مؤسسة الوفاء، بيروت/لبنان، سنة: 1414 هجرية.
  6. بحار الأنوار (الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (عليهم السلام)): 6/218، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي، المولود بإصفهان سنة: 1037، والمتوفى بها سنة: 1110 هجرية، طبعة مؤسسة الوفاء، بيروت/لبنان، سنة: 1414 هجرية.
  7. القرآن الكريم: سورة غافر (40)، الآية: 46، الصفحة: 472.
  8. القرآن الكريم: سورة البقرة (2)، الآية: 154، الصفحة: 24.
  9. القرآن الكريم: سورة آل عمران (3)، الآية: 170، الصفحة: 72.
  10. الكافي: 3/242.
2025/04/01

هل يستطيع العقل إثبات وجود الآخرة؟!

جلس محمد في مكتبته الصغيرة، يقلب صفحات كتاب في العقيدة الإسلامية. كان طالباً في كلية العلوم الطبية بجامعة كربلاء، وقد كُلف من قبل أحد زملائه بالإجابة عن "أدلة الإيمان بالآخرة". أخذ يفكر في المنهجية التي سيتبعها في الإجابة: هل يركز على الأدلة العقلية أم النقلية؟ وهل يمكن للعقل وحده أن يثبت وجود الآخرة بتفاصيلها؟

[اشترك]

راودته أسئلة كثيرة: إذا كان الله عادلاً، فلا بد من وجود آخرة للثواب والعقاب... لكن هل هذا الاستدلال العقلي كافٍ لإثبات تفاصيل الجنة والنار والصراط والميزان؟

قرر محمد أن يبحث عن إجابة واضحة لسؤاله المحوري: "هل ثبتت الآخرة بالعقل أم بالأدلة السمعية كالآيات والروايات؟"

بعد ساعات من البحث، وقع نظره على كتاب "مختصر مفيد.. أسئلة وأجوبة في الدين والعقيدة" للسيد جعفر مرتضى العاملي. تصفح الفهرس بسرعة حتى وجد سؤالاً مطابقاً تماماً لما يبحث عنه. فتح الصفحة وبدأ يقرأ الإجابة التي قدمها السيد العاملي:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطاهرين.. وبعد..

إن العقل.. وإن كان قد يدرك لزوم الجزاء على الأعمال بمثوبة المحسن، وعقوبة المسيء.. ليتحقق بذلك العدل، ولا يكون هناك ظلم.

ولكن العقل لا يحدد متى يكون هذا الجزاء، في الآخرة أو في الدنيا، أو في البرزخ، لا يحدد طبيعته، وأساليبه، وكيفياته.. فلا بد من الرجوع في ذلك كله إلى الشرع، فالصادق المصدق هو الذي أخبرنا بوجود برزخ وآخرة.. وحشر ونشر، وجنة ونار، وميزان، وصراط، وحور عين.. وحوض الكوثر.. وغير ذلك..

مصدر الجواب (بتصرّف): مختصر مفيد.. (أسئلة وأجوبة في الدين والعقيدة)، للسيد جعفر مرتضى العاملي

2025/03/27

هادم اللذّات: لماذا خُلق الموت؟!

وقف أحمد مطرقاً أمام قبر والده الذي فارق الحياة بالأمس. كانت دموعه تسيل بصمت والأفكار تتزاحم في رأسه. "لماذا يموت الإنسان؟" سؤال ظل يتردد في ذهنه كالصدى. بينما هو غارق في أفكاره، اقترب منه شيخ كبير، ربت على كتفه وقال: "يا بني، أتعلم أن الموت ليس نهاية بل بداية؟" استغرب أحمد هذا الكلام، فكيف يكون الفناء بداية؟ ابتسم الشيخ وجلس بجانبه ليحكي له حكمة لم يسمعها من قبل:

[اشترك]

الموت: انتقال لا فناء

إن الموت في نظر الناس فناء وعدم وصيرورة إلى التراب، ولكن القرآن يقدم لنا منظوراً مختلفاً تماماً. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، ذاكراً الموت قبل الحياة رغم أن الحياة واضح أنها مخلوقة. وفي هذا إشارة إلى أن الموت أشرف من الحياة، فهو ليس نهاية المطاف بل انتقال للثمرة والجزاء.

لنتأمل معاً: أيهما أحب للطالب الذي بذل جهده في الدراسة؟ ساعة الامتحان وقاعة الاختبار الصعبة، أم لحظة استلام الشهادة وأخذ الجائزة من الأستاذ والمربي؟ الجواب واضح بالطبع.

وهكذا، فإن الموت بالنسبة للمؤمن هو الانتقال إلى قاعة الاحتفالات الكبرى، لأخذ الجائزة من الله تعالى. لذا يكون شوقه للموت أكثر من شوقه للحياة! وهذا ما عبّر عنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في قوله الشهير: "والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه". ولأنه يدرك أن الناس قد تستغرب هذه الحقيقة، قدّمها بالقسم تأكيداً.

أحسن العمل لا أكثره

يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. لاحظ أنه لم يقل: "أيكم أكثر عملاً". فالميزان الإلهي يقيس الإحسان في العمل وليس كثرته.

تخيل معي سيداً له عبيد وجوارٍ، أمرهم أن يأتوه بالزهور من الحديقة. فجاءه عبد بكمية هائلة من الزهور الذابلة مختلطة بالحشائش والأشواك. هل سيُسر بها؟ بالطبع لا، بل سيكون مصيرها سلة المهملات! بينما جاءه عبد آخر بوردة واحدة فواحة، فتح قلب السيد برائحتها العطرة فأعتقه من العبودية.

وهذا ما فعله الإمام الحسن (ع) عندما أتته جارية بطاقة ريحان، فأعتقها لجمال ما قدمته. نعم، قد يأتي الإنسان يوم القيامة وليس له من الأعمال الكثير، ولكن عنده موقف جميل واحد، فينجو به.

قصص في القبول الإلهي

إن بنات شعيب (ع) قدمن لله عز وجل عملاً جميلاً، وربما كن عابدات قائمات. لكن الله تعالى ركز على صفة واحدة خلّدها في القرآن: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾. هذا الحياء أصبح وساماً خالداً في كتاب الله.

وعليه، لا ينبغي للمؤمن أن يصيبه اليأس إن لم يستطع فعل الكثير من الخيرات أو لم يتمكن من الإنفاق الكبير. المهم هو أن يقدم أحسن الأعمال، وإن كانت بسيطة، فإن هذا العمل المتقن المخلص يتقبله الله تعالى.

في سورة الإنسان (الدهر) نشهد إتقاناً للعمل، لا إكثاراً له. فملوك الجور من بني أمية والعباس قد فتحوا البلاد والأمصار، ولكن هل يتقبل الله العمل الذي لا يُقصد به وجهه؟ بينما علي وفاطمة والحسن والحسين وخادمتهم فضة قدموا خبزاً واحداً في سبيل الله، فكتب الله لهم الخلود.

وهناك في التاريخ كثيرون قدموا القرابين لله. فأم مريم قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. إبراهيم (ع) قدم إسماعيل للذبح، ولكن أم مريم نذرت خادماً للمسجد، لا أكثر ولا أقل، ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾.

الانسجام مع نظام الكون

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِنْ فُطُورٍ﴾. أي أن الله عز وجل خلق الكون بنظام محكم، وكل شيء منسجم، وخاضع لأمره، وليس هناك أي خلل في عالم الخلق.

ولكن أنت يا ابن آدم! لماذا هذا الخلل في عملك وسلوكك؟ إن الله تعالى عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وحملها الإنسان، ووجوده كله خلل. ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾... ما هذا التعبير القرآني اللاذع! إنه يدعو بالقتل للإنسان الذي ينحرف عن الفطرة!

﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾. لن تجد خللاً في الخلق مهما دققت النظر.

إذن، الدرس العملي من هذه الآية هو أن ننسجم مع الوجود. لماذا نختلف نحن البشر مع المجرات التي تسبح بحمد ربها؟ هذه المجرات العملاقة ممتثلة لأمر الله عز وجل، فعلى الإنسان أن ينسجم معها ليصل إلى كماله المنشود.

كما قال الشاعر: "أتزعم أنك جرم صغير... وفيك انطوى العالم الأكبر".

المقال مقتطف (بتصرّف) من محاضرة لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي حفظه الله

2025/03/26

هل كان النبي (ص) يعلم الغيب؟!

قال الله عز وجل في سورة هود في الآية 49: {تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}.

وظاهر الآية صريح بكون الرسول لا يعلم الغيب وهو في ذلك متساوٍ مع قومه، وأن علمه بالغيب جاء بالوحي وليس بالعلم اللدنـّـي فعلمه ليس حاضراً في كل وقت بل يعلم بالغيب حينما يوحيه الله إليه على الأقل في خصوص مورد هذه الآية، وهذا بالنتيجة يؤدي إلى القول بأن الرسول صلى الله عليه وآله لم يعلم الغيب قبل الوحي إليه ولم يكن يعلم الغيب حينما كان صغيراً.

[اشترك]

وسؤالي هنا: أليس هذا يعارض عقائدنا ـ نحن الشيعة ـ بأن الرسول والأئمة يعلمون الغيب بل هم يعلمون الغيب مذ ولدوا؟

الجواب:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..

فإن الآية الكريمة في سورة هود تدل على أن الوحي الإلهي هو طريق معرفته صلى الله عليه وآله بأخبار الماضين من الأمم والرسل، وليس فيها أية دلالة على زمان نزول هذا الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله..

فإذا اعتقدنا: أن النبي صلى الله عليه وآله كان نبياً منذ صغره استناداً إلى الدلائل والشواهد التي أشرنا إليها غير مرة، بل في الروايات: أنه صلى الله عليه وآله كان نبياً وآدم بين الروح والجسد.. فإن ذلك يفتح أمامنا باب احتمال أن يكون الله تعالى قد أوحى القرآن، أو معانيه إليه صلى الله عليه وآله قبل بعثته، وربما منذ صغره، بل ربما قبل ذلك أيضاً.. في ليلة من ليالي القدر في شهر رمضان المبارك..

[اشترك]

هذا كله بالإضافة إلى ما يظهر من الأحاديث الشريفة، من تعدد نزول القرآن: من اللوح المحفوظ، إلى البيت المعمور، إلى السماء الدنيا، ثم على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله، بمعانيه، ثم كانت له نزولات أخرى أيضاً، لسوره تارة، ولآياته أخرى، وقد أشرنا إلى هذا الأمر في إجابة لنا سابقة على سؤال يتعلق بتقدم آية:

{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}[1] على آية: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}[2]

وقد نشر السؤال والجواب في كتاب: «مختصر مفيد»..[3]

والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد وآله..

 الهوامش:

[1]الآية 3 من سورة المائدة.

[2]الآية 67 من سورة المائدة.

[3]مختصر مفيد ج4 ص45.

2025/02/18

هل نحتاج إلى الأنبياء في عصر العلم والتكنولوجيا؟!

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)

انطلاقاً من الآية الكريمة كان الحديث في محاور:

  • مصداقية العقل
  • الحاجة المعرفية والاجتماعية
  • الحاجة التربوية

المحور الأول: مصداقية العقل

هل العقل يؤمن بضرورة وجود الأنبياء؟

لابد لأن تكون لأحكام العقل مصداقية من أجل أن نثق باستنتاجاته في تحديد الحاجة لوجود الأنبياء.

الفيلسوف البريطاني جون جيري الذي يقول إذا آمنا بالنظرية الداروينية بكل اتجاهاتها سوف نفقد الثقة بالعقل، فإذا كانت نظرية داروين في الانتخاب الطبيعي نظرية صحيحة، سيكون ذلك محالا على العقل أن يبلغ الحقيقة فهذه النظرية ترى أن الإنسان في إطار التطور البيولوجي، فالإنسان يعيش من أجل البقاء ومقاومة عوامل الانقراض. إذا فهو يعيش وفق تطور بيولوجي والدماغ يصبح مادة وظيفية ناجمة عن حاجة الإنسان للبقاء. إذا فالدماغ ليس أداة مجهزة للوصول إلى الحقيقة فالعقل لا مصداقية له ولا وثوق لأحكامه.

[اشترك]

ويمكن مقاربة هذه الفكرة من خلال ثلاثة وجوه :

الأول : ماتعرض له ديكارت في كتابه مقال عن المنهج..

يبحث الإنسان هل هناك إله أو لا، وهل هو إله مخادع أو إله كامل.

فإذا آمن بأن هناك إله كامل، آمن بأن للعقل مصداقية، ومن لم يؤمن بإله كامل لم يؤمن بأن العقل له مصداقية ولذلك يتعرض ديكارت إلى نقطتين :

الأولى : خطاب للملحدين

إذا كان لايؤمن بوجود إله كامل، من الذي يضمن له بأن العقل كامل وأن لايقع في الأوهام ويخضع لتأثير الشيطان.

الثانية : التحدث مع الربوبيين

إذا آمنا بأن الإله كامل لابد أن نؤمن بأن العقل أداة وصول للحقيقة، فلو خلق الله الإنسان وأعطاه عقل واصبح العقل مخادع، فإن الله ليس كاملا ومخادعا.

الوجه الثاني: مايذكره توماس بين في كتابه الأعمال اللاهوتية، على الإنسان أن يتحلى بأخلاق الله وصفات الله الأخلاقية.

 [اشترك]

كل إنسان يعيش بداخله ضميرا ونداء نحو القيم والفضائل.

هل يمكن أن يكون الإنسان عادل وهو لايؤمن بالحقيقة... إذا كان الإنسان صادقاً ، عادلاً، محسناً كان عقله أداة للوصول إلى الحقيقة.

الوجه الثالث: العقل لايصل إلى الحقيقة، إذا لانثق بالاستناد العقلي الذي افرز لنا فكرة أن العقل لايصل إلى الحقيقة.

وفي خلاصة هذا المحور يظهر لنا بأن العقل يصل إلى الحقيقة ويمكن للإنسان أن يعتمد عليه في وصوله للحقائق.

المحور الثاني : الحاجة المعرفية والاجتماعية

الحاجة المعرفية والاجتماعية تفرضان ضرورة وجود الأنبياء والرسل.

الحاجة المعرفية :

الإنسان يحتاج إلى أن يتعرف على المفاهيم الغيبية والمفاهيم الخارجة عن الطبيعة، فالإنسان طاقة لا حد لها.

في الفيزياء قانون الطاقة لا تفنى ولا تستحدث فالطاقة لم تأتي من عدم ومن لا شيء بل جاءت من قوة خارقة لا حدود لها وهي الله تبارك وتعالى. فالطاقة الكونية لم تستحدث وهي خالدة دائمة وكامنة..

الإنسان طاقة متجددة متكاملة لن تفنى، فيتضح أن الإنسان يمتلك من الطاقات والقدرات والطموحات مالم يفنى به العمر المادي...

لابد من عالم آخر يستنفذ الإنسان طاقاته وقدراته وشخصيته التكاملية...

فاحتاج الإنسان إلى الأنبياء لتعريفه مفاهيم هذا العالم الآخر.

 عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)

الحاجة الاجتماعية وهي ترتكز على ثلاثة ركائز

كل كائن حي يحمل غريزة إجتماعية كولد النحلة وولد الظأن أو ولد الحصان بمجرد أن يخرج من رحم أمه، يمشي في نظام اجتماعي من دون تعليم واكتساب..

فهناك غريزة اجتماعية موجودة في كل كائن حي ولها نظام. فالإنسان يمتلك غريزة

وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)

أن الحيوان غريزته غريزة قهرية بينما الإنسان يمتلك غريزة اجتماعية إرادية وهنا مكمن الخطر.

[اشترك]

الإنسان يمتلك غريزة فردية تدعوه إلى الانحيازية وامتلاك الثروات ويعيش صراعا مذهلا بين الغريزتين الاجتماعية والفردية فالغريزة الفردية تدعوه إلى مصلحته الخاصة والغريزة الاجتماعية تدعوه إلى التعاون مع الغير من أجل التوازن... فالإنسان يحتاج إلى وازع داخلي يرغبه ويربيه على التض حية بمصالحه الخاصة من أجل المصالح الاجتماعية.

وهنا قد يقول البعض بأن الإنسان في الغرب يحترم النظام ويؤمن بالمصالح العامة دون حاجة إلى الوازع السماوي، وهنا مغالطة فالإنسان في الغرب إنما يحترم النظام ويؤمن بالمصالح العامة لأنها تضمن مصالحه الفردية فلولا أن النظام يوفر له تعليم ومرافق صحية ما احترم هذا النظام، لذلك بمجرد اختلال النظام في منطقة ما وتغيب العقوبات والغرامات  تجد الإنسان يتمرد على القانون والنظام... بينما نحن نريد الإنسان ينخلق من داخله الاحترام للنظام واحترام المصالح الاجتماعية ورعاية المصالح العامة وهذا لا يتوفر إلا من خلال رسالة السماء.   فتربية الأنبياء هي التي تغذي الإنسان على التوازن بين الغريزة الاجتماعية والغريزة الفردية لذلك يركز القرآن الكريم على هذا المعنى...

۞ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ  وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ  وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ  وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)

قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا (95)

المحور الثالث: الحاجة التربوية

هناك حاجة تربوية موجودة في داخل كل إنسان لوجود الأنبياء، فكل إنسان يعشق القيم الإنسانية من الصدق والعدل والأمانة لأنها قيم متجذرة في فطرة الإنسان... فكيف نحول هذا العشق إلى سلوك وعمل؟. من هنا تأتي الحاجة إلى الأنبياء.

فعندما يريد الإنسان أن يحول القيم إلى سلوك يحتاج إلى عنصرين :

إيمان داخلي

إذا لم نؤمن أن وراء هذه القيم ثوابا واجرا لم نجسدها على أرض الواقع.. أساس القيم الخلقية والإنسانية محورها الصبر..

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ  وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)

 فنؤمن أن وراء الصبر أجر ومثوبة وخلود في الجنان من خلال رسالة السماء وماتعدنا به..

ولأجل ذلك يركز القرآن الكريم على هذا المعنى

قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ  لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ  وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ  إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)

[اشترك]

وجود القدوة

تحتاج القيم إلى وجود قدوة كاملة في خلقها وقيمها ومثلها بحيث تكون قدوة في المجتمع... ولا يكون ذلك إلا من خلال الأنبياء والرسل فهم القدوة الكاملة التي تلبي حاجاتنا إلى الصبر  والقدوة...

 الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ  أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ  وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18)

فضرورة القدوة تعني ضرورة وجود أنبياء ورسل يقتدي بهم الإنسان...

الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يتحدث عن هذه الضرورة (فَبَعَثَ فِيهمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِياءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بَالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ)

ويؤكد أمير المؤمنين عليه السلام على القدوة في قوله

(وقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّه (صلى الله عليه وآله) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ والْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِه وأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِه، ويَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِه ويُمِسُّنِي جَسَدَه، ويُشِمُّنِي عَرْفَه، وكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيه، ومَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ ولَا خَطْلَةً فِي فِعْلٍ، ولَقَدْ قَرَنَ اللَّه بِه (صلى الله عليه وآله) مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِه، يَسْلُكُ بِه طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، ومَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَه ونَهَارَه، ولَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُه اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّه، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِه عَلَماً، ويَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِه، ولَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ، فَأَرَاه ولَا يَرَاه غَيْرِي، ولَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الإِسْلَامِ، غَيْرَ رَسُولِ اللَّه (صلى الله عليه وآله) وخَدِيجَةَ وأَنَا ثَالِثُهُمَا، أَرَى نُورَ الْوَحْيِ والرِّسَالَةِ وأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ، ولَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْه (صلى الله عليه وآله) فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه مَا هَذِه الرَّنَّةُ، فَقَالَ هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِه، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وتَرَى مَا أَرَى، إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ ولَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ، وإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ).

المصدر: المحاضرة الأولى لشهر محرم من عام 1440 - سماحة العلامة السيد منير الخباز حفظه الله – قررها: جعفر العباد

 

2025/02/15

أسرار المُعجزات: هل يمكن للميّت أن يعود للحياة؟!

تثير العلاقة بين المعجزة والمنطق العلمي جدلاً فكرياً عميقاً، خاصة عندما نتأمل المعجزات المذكورة في القرآن الكريم. فكيف يمكن للعقل العلمي أن يتقبل تحول عصا موسى إلى ثعبان، أو إحياء عيسى للموتى بإذن الله، أو رحلة الإسراء للنبي محمد من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلة واحدة؟

[اشترك]

تتجلى حقيقة المعجزة في رؤيتين متباينتين: الأولى يمثلها الفيلسوف الأمريكي إراف هولاند الذي يرى المعجزة حدثاً نادراً غير مألوف، لا خرقاً للطبيعة. فالقوانين الطبيعية عنده ثابتة كقانون غليان الماء عند درجة حرارة 100.

أما الرؤية الثانية، فيمثلها سومبورن، أستاذ الفلسفة المسيحية في أكسفورد، الذي يؤكد أن المعجزة تخرق القوانين الطبيعية. فكيف يمكن اعتبار عودة الميت إلى الحياة مجرد حدث نادر؟

في علاقة المعجزة بالمنطق العلمي، نجد رؤيتين: الأولى ميكانيكية تستند إلى الحتمية النيوتنية، حيث كل حادثة تحتاج سبباً يسانخها. فكيف تتحول العصا إلى ثعبان دون مسانخة؟ وكيف تنتج بذرة التفاح عنباً؟ أما الرؤية الثانية فهي فلسفية، يوضحها ابن سينا في "الإشارات والتنبيهات" بثلاثة عوامل للحوادث: طبيعي كتأثير ضوء الشمس على الحياة، وماورائي يتجاوز عالم المادة، وروحي كقوة الأنبياء القدسية.

ويدعم سومبورن إمكانية المعجزة علمياً بتقسيم القوانين العلمية إلى كلية وإحصائية. فالقوانين الكلية كالقوى الأربع للكون (الجاذبية، الكهرومغناطيسية، النووية الشديدة والضعيفة) لا تقبل الاستثناء. أما القوانين الإحصائية المكتشفة بالتجربة، كدرجة ذوبان الذهب عند 1063 درجة مئوية، فتقبل الاستثناء. وهذا يفسر معجزة إبراهيم عندما لم تؤثر النار فيه: "قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ".

وفي إثبات المعجزات تاريخياً، يرفض هيوم ذلك معتبراً التجربة المباشرة الطريق الوحيد للإثبات. لكن العلماء يردون بأن التواتر، كما في حديث الغدير، يفيد اليقين. كما أن الكون مليء بقوانين لم نكتشفها بعد، فربما قانون يكسر آخر في ظروف معينة، كما في حالة عصا موسى المحددة.

ويتجلى الإعجاز بوضوح في القرآن الكريم، فكيف لنبي لم يتلق تعليماً رسمياً في مجتمع جاهلي أن يأتي بكتاب يجمع قصة البشرية، وأسراراً علمية كتوسع الكون "وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ"، وتشريعات شاملة في 700 آية؟ يفسر السيد محمد باقر الصدر هذا بحساب الاحتمالات: كلما كانت النتيجة أكبر من المقدمات، دل ذلك على تدخل عامل خارجي، كطفل في الابتدائي ينظم شعراً يضاهي المتنبي.

وهكذا، فالمعجزة لا تتناقض مع المنطق العلمي، بل تكشف عن نظام كوني أعمق مما نتصور. فالعلم الحديث يؤكد محدودية معرفتنا: "وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا". والمعجزة تبقى شاهداً على قدرة الخالق وإرادته التي لا يقف أمامها قانون: "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ".​​​​​​​​​​​​​​​​

هذا المقال مقتطف من محاضرة لآية الله السيد منير الخبّاز تحت عنوان «هل تنسجم معجزات الأنبياء مع المنطق العلمي؟»

2025/01/04

هل كل ما في المصادر الشيعية متفق عليه؟!

لابد لمن يريد التعرف على المصادر الشيعية من أمرين: الأول: أن كثيراً مما تتضمنه المصادر الشيعية ليس أمراً متفقاً عليه بين الشيعة. وإنما اتفقوا على أصول العقيدة، من التوحيد وما يتعلق به، من تنزيه الله سبحانه وتعالى عن الظلم والجبر والتجسيم والتشبيه والمكان والزمان. ثم النبوة. ثم إمامة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، وما يتعلق بهما من عصمة الأنبياء والأئمة (صلوات الله عليهم)، ثم المعاد الجسماني.

[اشترك]

كما اتفقوا على بعض الأمور الأخرى التي ثبتت بأدلة قطعية من النصوص المتواترة أو الإجماع أو حكم العقل القطعيين. وتلك الأمور تتعلق بالفقه والسيرة وما بعد الموت وغير ذلك. وقد اختلفوا في كثير من الأمور، لأن باب الاجتهاد مفتوح عندهم. والاختلاف المذكور يجري حتى في النصوص والأحاديث الشريفة، فليس كل حديث يذعنون بمضمونه أو يتفقون عليه. وكم من حديث متروك لا يعمل عليه، على معايير وضوابط لا يسعنا تفصيلها في هذه العجالة، أو هو مورد للخلاف بينهم، لاختلافهم في تلك الضوابط والمعايير. والمهم أنه لا ينبغي التسرع في نسبة ما يوجد في تلك المصادر ـ من مضامين الأحاديث أو أقوال العلماء ـ إلى الشيعة بأجمعهم وتحميلهم مسؤوليته إلا بعد التأكد من إذعانهم به واتفاقهم عليه. نعم لا ريب في أن تلك المصادر تكشف عن الملامح العامة لآراء الشيعة وأقوالهم، وتوضح الخطوط العريضة لثقافتهم ومنهجيتهم. لابد للباحث من الموضوعية والتجرد الثاني: أن من الطبيعي أن من لم يألف الثقافة الشيعية، وعاش الثقافة السنية وألفها، سيصدم عند الرجوع للمصادر الشيعية، خصوصاً في الأمور المذهبية الحساسة، التي يحمل لها في نفسه قدسية واحتراماً. فإن ما تتضمنه المصادر الشيعية من ذلك وإن وجد متفرقاً في المصادر السنية، أو وجدت له شواهد فيها، إلا أنه ليس بحيث يلتفت إليه في خضمّ الكثرة الكاثرة من الأحاديث والمسلمات الموروثة عند السنة. ومن هنا فاللازم التثبت عند الرجوع للمصادر الشيعية وعدم التسرع في الإنكار والاستبشاع عند الاطلاع على بعض ما تتضمنه، لأن ذلك كله يبتني على أصول مؤصلة، قد أتعب الشيعة أنفسهم في الاستدلال عليها، وذكر الشواهد لها من مصادر سنية وغيرها، في مسيرة طويلة شاقة، من أحاط بها وخرج منها يهون عليه سماع ما تتضمنه مصادرهم مما يخالف مسلماته وموروثاته، ولا يفاجأ بها، ولا يصدم. ولا نريد بذلك أن ندعي صحة جميع ما يذكره الشيعة، إذ لا موجب لتعجل الأمور قبل أوانها. بل كل ما نريده عدم تعجل الإنكار والاستبشاع، والانتظار بهما حتى يطلع على أصول الشيعة وأدلتهم وتستوعب، ثم ليختار المنصف لنفسه بعد ذلك ما يحلو له، ويقتضيه وجدانه وبرهانه الذي يراه مقنعاً أمام الله سبحانه وتعالى ومعذراً بين يديه. فإن المهم إرضاؤه جل شأنه والخروج عن المسؤولية معه، وهو نعم الرقيب والحسيب. ولا أهمية لإرضاء الناس أو إسكاتهم. كما لا يغني إرضاء العواطف وإشباع الرغبات. فإن أمد ذلك كله قصير، وهو صائر إلى زوال، وبعد ذلك الحساب العسير، ثم الخلود في الجنة أو في النار.

المصدر: في رحاب العقيدة ج1 - المرجع السيد محمد سعيد الحكيم (قدس)

2024/12/11

معجزة «مسيلمة الكذّاب».. هل تُشبه معاجز الأنبياء؟!

قال العلامة الطريحي: "المُعْجِز: الأمر الخارق للعادة، المطابق للدَّعوى، المقْرون بالتحدِّي، و قد ذكر المسلمون للنبي (صلى الله عليه و آله) ألف معجزة منها القرآن 1.

[اشترك]

و المعجزة كما عرَّفها العلماء أيضاً: "أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، مع عدم المعارضة، مع دعوى النبوة".

و المقصود بالأمر الخارق للعادة هو ما يعجز البشر حتى النوابغ و العباقرة عن الإتيان به.

و لقد جرت السنة الإلهية على أن يكون كل نبي مبعوث من قِبَل الله عَزَّ و جَلَّ مزوداً بقدرة استثنائية و قوة خارقة للعادة يستطيع بمساعدتها و بإذن من الله أن يأتي بأمور تفوق القدرة العادية للبشر، حتى يكون ما يأتي به دليلاً على أنه مبعوث من قِبَل الله العلي القدير، و شاهداً على صدق ما يدعيه من النبوة و إخباره عن عالم الغيب، و مثبتاً لاتصاله بالسماء.

المعجزة في القرآن الكريم

يُسمي القرآن الكريم الأمور الخارقة التي يقوم بها الأنبياء بأذن من الله لإثبات صدق دعوتهم بالآيات، أي الدلائل و العلامات التي تدل على صدق النبي صاحب المعجزة لأنها علامة على أنَّهُ موصول بالقدرة الإلهية.

أما علماء الإسلام فيسمونها بالمعاجز نظراً لعجز الآخرين من أفراد البشر عن الإتيان بمثل هذه الأمور.

قال الله عَزَّ و جَلَّ: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴾ 2.

و قال عَزَّ مِنْ قائل: ﴿ وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ 3.

ما هي فلسفة معاجز الأنبياء؟

تعتبر المعجزة من الشواهد المهمة التي تثبت بها صدق دعوى نبوة النبي الذي أظهر المعجزة، و هي بمثابة أوراق اعتماده و هويته التي تؤيد صدق دعواه و ارتباطه بالله تعالى، فلذلك نرى أن الأنبياء عليهم السَّلام إلى جانب ما أقاموه من الدلائل و البراهين العقلية على صدق دعواهم، فقد اظهروا معاجز تؤكد صدق ادعائهم و لا تدع مجالا للشك في حقانية نبوتهم.

و يذكر القرآن الكريم أن الناس في مختلف العصور كانوا يطالبون الأنبياء بالآيات و المعجزات، و كان الأنبياء يوافقون على طلبهم هذا، ذلك لأنهم كانوا يرونه طلباً منطقياً و معقولاً و صادراً عن روح التحقيق و البحث، و بالإضافة إلى ذلك فان الناس لم يكن لديهم وسيلة أخرى لمعرفة نبوة الأنبياء و الاطمئنان بصحتها.

و الجدير بالذكر أن الأنبياء كانوا يستنكفون عن إظهار الآيات أو المعجزات عندما كان الطلب الموجه لهم من أناس استغلاليين، فكانوا يمتنعون من تلبية طلب الذين يحاولون استغلال معاجز الأنبياء و جعلها وسيلة للوصول إلى مآربهم الدنيوية الرخيصة، مثل طلبهم بان يأتي لهم النبي بجبل من ذهب لتتكون لديهم  ثروة عظيمة بشكل مفاجئ، أو الذين كانوا يجعلون تحقق مطالبهم شرطاً لقبولهم دعوة النبي.

معجزة مسيلمة الكذاب

و من طريف من ذكره التاريخ أن مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ( صلى الله عليه و آله ) أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ بِصَبِيٍّ لَهَا تَرْجُو بَرَكَتَهُ بِأَنْ يَمَسَّهُ وَ يَدْعُوَ لَهُ ، وَ كَانَ بِرَأْسِهِ عَاهَةٌ ، فَرَحِمَهَا وَ الرَّحْمَةُ صِفَتُهُ ، فَمَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِهِ فَاسْتَوَى شَعْرُهُ ، وَ بَرَأَ دَاؤُهُ .

فَبَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ الْيَمَامَةِ فَأَتَوْا مُسَيْلَمَةَ 4 بِصَبِيٍّ فَسَأَلُوهُ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَصَلِعَ وَ بَقِيَ نَسْلُهُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا صُلْعاً 5 .

الهوامش:

  1. مجمع البحرين: 4 / 25، للعلامة فخر الدين بن محمد الطريحي، المولود سنة : 979 هجرية بالنجف الأشرف / العراق ، و المتوفى سنة: 1087 هجرية بالرماحية، و المدفون بالنجف الأشرف / العراق ، الطبعة الثانية سنة: 1365 شمسية، مكتبة المرتضوي ، طهران / إيران .
  2. القران الكريم: سورة الأعراف (7)، الآيات: 104 - 108، الصفحة: 163.
  3. القران الكريم: سورة الأعراف (7)، الآية: 132 و 133، الصفحة: 166.
  4. مسيلمة الكذاب: هو مسيلمة بن ثمامة من بني حنيفة، ادعى النبوة و كان من المعمرين، نشأ باليمامة، و لما ظهر الإسلام في الحجاز و افتتح النبي ( صلى الله عليه و آله ) مكة و دانت له العرب، جاءه وفد من بني حنيفة و كان معهم مسيلمة إلا إنه تخلف مع الرحال خارج مكة، فجاء الوفد إلى النبي و أسلموا و أخبروا النبي بمكان مسيلمة، و لما رجعوا إلى ديارهم كتب مسيلمة إلى النبي: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد ... فأجابه النبي : بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، و كان مسيلمة يضع أسجاعا ليضاهي بها القرآن. (أنظر: أضواء على الصحيحين: 371، للشيخ محمد صادق النجمي).
  5. بحار الأنوار (الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (عليهم السلام )): 8 / 18 ، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي ، المولود بإصفهان سنة: 1037 ، و المتوفى بها سنة: 1110 هجرية، طبعة مؤسسة الوفاء، بيروت / لبنان، سنة: 1414 هجرية.
2024/12/10

هل الزهراء (ع) معصومة؟!

۱. قوله تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (۱).

[اشترك]

وقد اتّفق جميع المفسّرين والمحدّثين من الشيعة والسنّة على أنّ الآية شاملة للزهراء عليها السّلام. (۲)

۲. قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : إنّ الله عزَّ وجلَّ يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها. (۳)

ومن المعلوم أنّ الله تعالى لا يرضى لرضى أحد إلّا إذا كان معصوماً.

۳. قال الإمام العسكري عليه السلام : نحن حجج الله على خلقه وجدتنا فاطمة حجة الله علينا. (٤)

فإذا لم تكن فاطمة عليها السلام معصومة ، فكيف تكون حجّة الله على الأئمّة المعصومين عليهم السلام ؟

٤. قال الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف في توقيعه إلى الشيخ العمري : وفي ابنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لي أسوة حسنة. (٥)

٥. وعن الصادق عليه السلام : لولا ان الله خلق أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن لفاطمة عليها السلام كفو على ظهر الارض آدم فمن دونه. (٦)

وفي حديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم : ان الله قد أعطى فاطمة في الدنيا ذلك ، فأنا أبوها وما أحد من العالمين مثلي ، وعلي بعلها ولولا علي ما كان لفاطمة كفؤ أبداً ، وأعطاها الحسن والحسين وما للعالمين مثلهما سيدا شباب أسباط الانبياء وسيدا شباب أهل الجنة. (۷)

٦. عن أبي جعفر الباقر عليه السلام : ولقد كانت صلوات الله عليها طاعتها مفروضة على جميع مَن خلق الله من الجنِّ ، والإِنس ، والطير والبهائم ، والأنبياء والملائكة. (۸)

فكيف يفرض الله طاعة غير المعصوم على المعصومين ؟

۷. أفضليّتها وسيادتها على نساء الأولين والآخرين ونساء الجنّة حتّى مريم عليها السلام ، وهو يستلزم عصمتها ، وإلّا لم تكن غير المعصومة أفضل من المعصومة.

ففي حديث عن الصادق عليه السلام : وان الله عز وجل جعلك سيدة نساء عالمك وعالمها وسيدة نساء الأولين والآخرين. (۹)

وفي حديث الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم : وابنتي فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة من الخلق أجمعين. (۱۰)

۸. قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : منّا خمسة معصومون. قيل يا رسول الله ، من هم ؟

قال : أنا ، وعليّ ، وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام. (۱۱)

۹. تستفاد العصمة من ألقابها التي صدرت عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة المعصومين عليه السلام ، مثل : الطاهرة ، والمطهّرة ، والحوراء. (۱۲)

۱۰. شأنها العالي ، ومقامها الرفيع حيث جعلها الله محوراً للمعصومين : أبيها وبعلها وبنيها ، كما في حديث الكساء الشريف : وَهُمْ فاطِمَةُ وَأبُوها وَبَعْلُها وَبَنُوها (۱۳).

۱۱. كونها بضعة لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، المقتضي لأن تكون كالأصل معصومة ، بل هي مهجة قلبه وروحه التي بين جنبيه ، كما في الأحاديث الواردة عن الفريقين.

قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : وأمّا ابنتي فاطمة فإنّها سيّدة نساء العالمين ، من الاوَّلين والآخرين وهي بضعة منّي ، وهي نور عينيَّ ، وهي ثمرة فؤادي ، وهي روحي الّتي بين جنبيَّ ، وهي الحوراء الإنسيّة. (۱٤)

=======

الهوامش

۱. الأحزاب : ۳۳.

۲. راجع :

الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : ۱ / الصفحة : ۲۸٦ ـ ۲۸۷ / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : ۳.

الأمالي « للشيخ الطوسي » / الصفحة : ۲٤۸ ـ ۲٤۹ / الناشر : دار الثقافية / الطبعة : ۱.

تفسير فرات الكوفي « لعلي بن إبراهيم القمي » / الصفحة : ۳۳٦ ـ ۳۳۷ / الناشر : مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي / الطبعة : ۱.

تفسير القمي « لعلي بن إبراهيم القمي » / المجلّد : ۲ / الصفحة : ۱۹۳ ـ ۱۹٤ / الناشر : مؤسسة دار الكتاب / الطبعة : ۳.

تفسير القرآن العظيم « لابن كثير » / المجلّد : ۳ / الصفحة : ٤۹٤ / الناشر : دار المعرفة.

أسباب النزول « لأحمد بن محمد النيسابوري » / الصفحة : ۳٥٤ / الناشر : دار الإصلاح ـ الدمام / الطبعة : ۲.

تفسير القرآن العظيم « لابن أبي حاتم الرازي » / المجلّد : ۹ / الصفحة : ۳۱۳۱ / الناشر : دار الفكر.

الدر المنثور في التفسير بالمأثور « لجلال الدين السيوطي » / المجلّد : ٦ / الصفحة : ٦۰٤ ـ ٦۰٥ / الناشر : دار الفكر.

۳. شرح احقاق الحق « للسيد المرعشي » / المجلّد : ۱۰ / الصفحة : ۱۱٦ ـ ۱۱۷ / الناشر : منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي.

راجع :

الأمالي « للشيخ الصدوق » / الصفحة : ٤٦۷ ـ ٤٦۸ / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : ۱.

عيون أخبار الرضا « للشيخ الصدوق » / المجلّد : ۲ / الصفحة : ٥۱ / الناشر : مؤسسة الأعلمي / الطبعة : ۱.

بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : ٤۳ / الصفحة : ۲۲۰ / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : ۲.

٤. أطيب البيان « للسيد عبدالحسين الطيب » / المجلّد : ۱۳ / الصفحة : ۲۲٥ / الناشر : انتشارات اسلام / الطبعة : ۲.

٥. الغيبة « للشيخ الطوسي » / الصفحة : ۲۸٦ / الناشر مؤسسة المعارف الإسلاميّة / الطبعة : ۱.

٦. تهذيب الأحكام « للشيخ الطوسي » / المجلّد : ۷ / الصفحة : ٤۷۰ / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : ٤.

راجع :

المناقب « لابن شهر آشوب » / المجلّد : ۲ / الصفحة : ۱۸۱ / الناشر : مؤسسة انتشارات علامة / الطبعة : ۱.

الوافي « للفيض الكاشاني » / المجلّد : ۲۱ / الصفحة : ۳۱٥ / الناشر : مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام / الطبعة : ۱.

بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : ٤۳ / الصفحة : ۱۰۷ / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : ۲.

۷. شرح إحقاق الحق « للسيد المرعشي » / المجلّد : ۱۹ / الصفحة : ۱۱۷ / الناشر : منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي.

راجع :

تفسير القمي « لعلي بن إبراهيم القمي » / المجلّد : ۲ / الصفحة : ۳۳۸ / الناشر : مطبعة النجف.

كشف الغمة « لعلي بن أبي الفتح الإربلي » / المجلّد : ٤ / الصفحة : ٤۱۹ / الناشر : المجمع العالمي لأهل البيت.

البرهان في تفسير القرآن « للسيد هاشم البحراني » / المجلّد : ٤ / الصفحة : ۱٤۳ / الناشر : مؤسسة البعثة.

۸. دلائل الإمامة « لمحمد بن جرير الطبري » / الصفحة : ۱۰٦ / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : ۱.

۹. علل الشرائع « للشيخ الصدوق » / الصفحة : ۱۸۲ / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : ۲.

راجع :

دلائل الإمامة « لمحمد بن جرير الطبري » / الصفحة : ۱٥۲ / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : ۱.

التفسير الصافي « للفيض الكاشاني » / المجلّد : ۱ / الصفحة : ۳۳٦ / الناشر : مكتبة الصدر / الطبعة : ۲.

بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : ٤۳ / الصفحة : ۷۸ / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : ۲.

۱۰. شرح إحقاق الحق « للسيد المرعشي » / المجلّد : ٥ / الصفحة : ٤۱ / الناشر : منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي.

راجع :

الأمالي « للشيخ الصدوق » / الصفحة : ۳۷۳ ـ ۳۷٤ / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : ۱.

الأمالي « للشيخ الطوسي » / الصفحة : ۸٤ ـ ۸٥ / الناشر : دار الثقافة / الطبعة : ۱.

بشارة المصطفى « لمحمد بن أبي القاسم الطبري » / الصفحة : ٦٥ ـ ٦٦ / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : ۱.

بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : ۳٦ / الصفحة : ۲۹٤ ـ ۲۹٦ / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : ۲.

۱۱. عوالم العلوم والمعارف ـ العوالم ، سيّدة الزهراء سلام الله عليه ـ « للشيخ عبدالله البحراني » / المجلّد : ۱ / الصفحة : ۸٦ / الناشر : مؤسسة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف / الطبعة : ۳.

راجع :

مناقب الإمام أمير المؤمنين (ع) « لمحمد بن سليمان الكوفي » / المجلّد : ۲ / الصفحة : ۱٥۳ / الناشر : مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة.

۱۲. راجع :

الخصال : « للشيخ الصدوق » / الصفحة : ٤۱٤ / الناشر : منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلميّة بقم المقدّسة.

تفسير فرات الكوفي « لفرات بن إبراهيم الكوفي » / الصفحة : ۲۱٦ / الناشر : مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي / الطبعة : ۱.

علل الشرائع « للشيخ الصدوق » / المجلّد : ۱ / الصفحة : ۱۸۳ ـ ۱۸٤ / الناشر : المكتبة الحيدريّة.

۱۳. عوالم العلوم والمعارف ـ العوالم ، سيّدة الزهراء سلام الله عليه ـ « للشيخ عبدالله البحراني » / المجلّد : ۲ / الصفحة : ۹۳۳ / الناشر : مؤسسة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف / الطبعة : ۳.

۱٤. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : ٤۳ / الصفحة : ۱۷۲ / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : ۲.

راجع :

الأمالي « للشيخ الصدوق » / الصفحة : ۱۷٥ / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : ۱.

بشارة المصطفى « لمحمد بن أبي القاسم الطبري » / الصفحة : ۳۰٦ ـ ۳۰۷ / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : ۱.

عوالم العلوم والمعارف ـ العوالم ، سيّدة الزهراء سلام الله عليه ـ « للشيخ عبدالله البحراني » / المجلّد : ۱ / الصفحة : ۲۷۷ / الناشر : مؤسسة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف / الطبعة : ۳.

2024/11/16

لماذا يذكر الشيعة في الأذان عبارة "حي على خير العمل"؟

لماذا يلتزمُ الشيعة في الأذان خلافًا لبقيَّة المذاهب بفقرة: (حيَّ على خيرِ العمل)؟

[اشترك]

الجواب: إنَّ فقرة: (حيَّ على خيْرِ العمل) كانت من فصولِ الأذان على عهدِ رسولِ الله (ص)، وقد التزمَ بها المسلمون أيَّام أبي بكر وشطرًا من أيَّام عمر، ثمَّ إنَّ عمرَ بن الخطاب أمَرَ بحذفِها من الأذان، وعلّل ذلك بأنَّ (حيِّ على خيرِ العمل) تعني الحضَّ والحثّ على الصلاة وتعني وصفَها بأنَّها خيرُ الأعمال، وهذا قد يُنتِج -بنظره- انصرافَ المسلمين عن الجهاد واكتفاءَهم بالصلاة بذريعة أنَّها خيرُ العمل، فحتى لا يتقاعس المسلمون عن الجهاد أمَر بحذفِ هذه الفقرةِ من الأذان.

والعجيب كيف اِلتزَمَ أكثرُ المسلمين بهذا الأمر رغم أنَّه من الاجتهاد في مقابل النصِّ، فالرسولُ (ص) يأمرُ بإثباتِها في الأذان ويأمرُ الخليفةُ بحذفِها! وكأنَّه تفطَّن إلى أمرٍ غفِلَ عنه رسولُ الله (ص) الذي لم يكن ينطقُ عن الهوى إنْ هو إلا وحيٌ يُوحى.

وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُوْلُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوْا﴾(1).

أمّا أنّ فقرة: (حيَّ على خير العمل) كانت من فصول الأذان وأنَّ الرسولَ (ص) هو مَن جعلها كذلك، فطريقُنا إلى إثباته هو ما ورد يقيناً عن أهل البيت (ع) الذين ثبتَ بالقرآن الكريم والسُنَّة القطعيَّة أنَّهم الهداةُ بعد رسول الله (ص) والأدلاَّءُ على دينِ الله وأحكامِه، وأنَّهم في الأُمَّة كسفينة نوح من ركِبها نجا ومن تخلَّف عنها غرق، وأنَّهم الثقلُ الثاني، والقرآنُ الكريم هو الثقلُ الأول، وقد ضَمِنَ رسولُ الله (ص) للأُمَّة عدم الضلالِ إنْ هم تمسَّكوا بهما، وقال: "إنِّي مخلِّفٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهلَ بيتي، ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلُّوا بعدي أبدا"، وقد أفاد (ص) أنَّهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض(2)، لذلك فنحن نعتمدُ طريقَهم في معرفةِ السُنَّة الشريفة.

وممَّا ورد عنهم (ع) هو ما رواه الشيخُ الطوسي في التهذيب بسندٍ معتبر إلى زرارة والفضل بن يسار عن أبي جعفر الباقر (ع) قال: "لمَّا أُسْرِيَ برسول الله (ص) فبلغَ البيتَ المعمور حضرت الصلاة فأذَّن جبرائيل وأقام، فتقدَّم رسولُ الله (ص)، قال فقلنا: كيف أذَّن، فقال: اللهُ أكبر اللهُ أكبر، أشهدُ أنْ لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ الله أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسول الله، حيَّ على الصلاةِ حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاحِ حيَّ على الفلاح، حيَّ على خيرِ العمل حيَّ على خير العمل، اللهُ أكبر اللهُ أكبر، لا إله إلا الله، والإقامةُ مثلها إلاّ أنَّ فيها قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة بين حيَّ على خير العمل حيَّ على خير العمل وبين الله أكبر، فأمر بها رسولُ الله بلالاً، فلم يزل يؤذٍّن بها حتى قبَض اللهُ رسولَه (ص)(3).

والروايات المُصرِّحة باشتمال الأذان والإقامة على فقرة: (حيَّ على خير العمل) كثيرةٌ ومن أرادها فليرجعْ إليها في مظانٍّها.

وأمَّا ما يُؤيِّدُ -من كُتب علماءِ السنَّة- بأنَّ عمر بن الخطّاب هو مَن أمرَ بحذفِها فنصوصٌ كثيرةٌ نذكر شطرًا منها:

النصّ الأوَّل: قال الشوكاني نقلاً عن كتاب الأحكام: ".. وقد صحَّ لنا أنَّ (حيَّ على خير العمل) كانت على عهد رسولِ الله (ص) يؤذَّن بها ولم تُطرح إلاّ في زمن عمر"(4).

النصّ الثاني: قال القوشجي وهو من أكابر علماء الأشاعرة في كتابه شرح التجريد أنَّ الخليفة عمر قال وهو على المنبر: "ثلاثٌ كنَّ على عهد رسول الله (ص) وأنا أنهى عنهنَّ وأُحرٍّمهنَّ وأُعاقب عليهنَّ: متعة النساء، ومتعة الحجّ، وحيَّ على خير العمل"(5).

النصّ الثالث: قال سعد الدين التفتزاني في حاشيتِه على شرح العضدي على مختصر الأصول لابن الحاجب: (إنَّ "حيَّ على خير العمل) كان ثابتاً على عهدِ رسول الله (ص) وإنَّ عمر هو الذي أمَر أنْ يكفَّ الناسُ عن ذلك، مخافةَ أن يثبِّط الناس على الجهاد ويتَّكلوا على الصلاة"(6).

النصّ الرَّابع: ما ورد في البحر الزخَّار وجواهر الأخبار والآثار أنَّ الإمام الباقر (ع) كان يقول: "وكانت هذه الكلمة (حيَّ علي خير العمل) في الأذان فأمر عمر بن الخطَّاب أن يكفُّوا عنها مخافة أنْ تُثبِّط الناس عن الجهاد ويتَّكلوا على الصلاة"(7).

النصّ الخامس: في كتاب الرّوض النّضير قال الزّركشيُّ في البحر المحيط: ".. وكان ابنُ عمر، وهو عميد أهل المدينة يرى إفراد الأذان والقول فيه "حيَّ على خير العمل"(8).

وورد في كتاب السّنام: الصّحيح في الأذان شرح بـ (حيَّ على خير العمل) وقال: "وقد قال كثيرٌ من علماء المالكيَّة وغيرهم من الحنفيَّة والشَّافعيَّة أنَّه كان (حيَّ على خير العمل) من ألفاظ الأذان"(9).

وثمَّة نصوصٌ أخرى وردت في كتب علماء السنَّة، أفاد بعضُها أنَّ فقرة (حيَّ على خير العمل) كانت من فصول الأذان في عهد رسول الله، وأفاد بعضها اِلتزام جمعٍ من الصحابة بها في الأذان.

منها: ما ورد في ميزان الاعتدال للذّهبي ج1 / ص139 ولسان الميزان للعسقلاني ج1 / ص268 عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي محذورة قال: كنتُ غلامًا فقال لي النّبيُّ (ص): "اجعل في آخر أذانك "حيَّ على خير العمل""، وذكر أنّ هذيل بن بلال المدائنيّ قال: سمعتُ ابن أبي محذورة يقول: "حيّ على الفلاح حيّ على خير العمل".

ومنها: ما ورد في منتخب كنز العمّال ج3 / ص276 أنَّ بلال كان يؤذِّن بالصّبح فيقول: (حيّ على خير العمل).

ومنها: ما رواه محمّد بن منصور في كتابه الجامع باِسناده عن رجال مرضيين عن أبي محذورة أحد مؤذِّني رسول الله (ص)، أنَّه قال: "أمرني رسولُ الله (ص) أنْ أقول في الأذان: "حيَّ على خير العمل""(10).

ومنها: ما رواه البيهقيّ في سُننه قال: إنَّ ذِكر (حيّ على خير العمل) في الأذان قد رُوي عن أبي أمامة سهل بن حنيف"(11).

ومنها: ما نقله ابن الوزير عن المحبّ الطبري الشَّافعي في كتابه إحكام الأحكام: ".. ذكر الحيعلة بـ (حيّ على خير العمل) عن صدَقة بن يسار عن أبي أمامة سهل بن حنيف قال: "إنَّه كان إذا أذّن قال: "حيَّ على خير العمل"، أخرجه سعيد بن منصور"(12).

ومنها: ما قاله علاءُ الدّين الحنفيُّ في كتاب التّلويح في شرح الجامع الصَّحيح قال: "وأمَّا (حيَّ على خير العمل) فذكر ابنُ حزم أنَّه صحّ عن عبد الله بن عمر وأبي أمامة سهل بن حنيف أنَّهما كانا يقولان: "حيَّ على خير العمل"، ثُمَّ قال: وكان عليُّ بن الحسين يفعلُه .."(13).

ومنها: ما ورد في السّيرة الحلبيَّة ".. ونقل عن ابن عمر وعن عليِّ بن الحسين (ع) أنّهما كانا يقولان في أذانيهما بعد حيَّ على الفلاح حيَّ على خير العمل .."(14).

ومنها: ما ورد في سُنن البيهقيِّ عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمّد عن أبيه أنّ عليَّ بن الحسين (ع) كان يقولُ في أذانه إذا قال حيَّ على الفلاح قال: (حيَّ على خير العمل) ويقول: "هو الأذانُ الأول"(15).

وثَمّة نصوصٌ أُخرى وردت في كتب علماءِ السُّنَّة إلا أنّنا أعرضنا عن ذكرها خشيةَ الإطالة.

الهوامش:

1- سورة الحشر / 7.

2- وسائل الشيعة -الحر العاملي- باب تحريم الحكم بغير الكتاب والسنة ج27 / ص34.

3- وسائل الشيعة -الحرُّ العاملي- باب الأذان والإقامة / ح8.

4- نيل الأوطار -الشوكاني- ج2 / ص32.

5- شرح التجريد -القوشجي- ص484.

6- الروض النضير -سعد الدين التفتزاني- ج2 / ص42.

7- البحر الزخَّار وجواهر الأخبار ج2 / ص192.

8- الرَّوض النّضير -سعد الدين التفتزاني- ج1 / ص542.

9- الرَّوض النّضير -سعد الدين التفتزاني- ج1 / ص542.

10- البحر الزخار ج2 / ص192.

11- سنن البيهقي ج1 / ص425.

12- مبادئ الفقه الإسلاميّ للعرفي ص38 / ط 1354هـ.

13- مبادئ الفقه الإسلاميّ -للعرفي- ص38، المحلَّى -ابن حزم- ج3 / ص160.

14- السّيرة الحلبيّة باب الأذان ج2 / ص98.

15- سنن البيهقي ج1 / ص625 / ح1993.

2024/11/05

لا تنهزم: هل يسمح الله بانتصار الظالم؟!

في خضم رحى الصراع، حيث تتساقط الشهداء كأوراق الخريف، وتتعالى صرخات الثكالى، ورغم ذلك الكيان الغاصب لا يزال يمعن في غيه، يسطو على الأراضي ويدنس المقدسات، محققاً انتصاراتٍ عسكريةً زائفةً، تثير في قلوب المؤمنين الوجل والحيرة.

[اشترك]

تتملكهم حينئذٍ مشاعر اليأس والإحباط، وتتردد في صدورهم أسئلةٌ مؤرقةٌ عن غياب نصر الله الموعود. كيف يرضى رب العزة بهذا الظلم، وهو الذي حرم الظلم على نفسه ونهى عنه بين عباده؟ 

وبعيداً عن سوح الجهاد، يتعرض الكثير من المؤمنين لألوان من الظلم والاضطهاد، ولا يملكون أمامه غير رفع أيدي الدعاء، مما يعيد السؤال: كيف سمح الله تعالى للظالم بأن ينتصر؟!

وللإجابة عن تلك الأسئلة التي تجول في خاطرك، إليك أصلٌ عظيمٌ في عدل الله وحكمته، يزيل الشك ويبدد الحيرة:

إن القرآن الكريم يوضح جلياً الغاية من خلق الإنسان وهي تكامله ووصوله إلى مرتبة العبودية المطلقة لله تعالى، كما قال في محكم تنزيله: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ الذاريات: 56.وليست هذه العبودية إلا سبيلاً إلى معرفة ملكوت السماوات والأرض، كما بين سبحانه في قوله: ﴿الله الذي خلق سبع سماواتٍ ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيءٍ قديرٌ وأن الله قد أحاط بكل شيءٍ علمًا﴾ الطلاق: 12.

ولكن هذا التكامل الروحي لا يتحقق إلا باختيار الإنسان طريق الخير والصلاح، واكتسابه الفضائل من خلال أفعاله الاختيارية. ولكي يدرك الإنسان حقيقة نفسه ويطهرها، كان لا بد من إخضاعه لظروفٍ تضطره لانتخاب طريق الحق، وتحمل مسؤولية أفعاله. فقد ارتبطت إرادة الله تعالى بالابتلاء، ليطهر به الإنسان ويغربله، ويخرج مكنونات نفسه من خلال إمراره بتجارب وابتلاءاتٍ مختلفةٍ، كما قال تعالى: ﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفةٍ أمشاجٍ نبتليه﴾ الإنسان: 2، وقال أيضاً: ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيامٍ وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملًا﴾ هود: 7. 

ففي هذه الآيات الكريمة بيانٌ لحكمة الابتلاء، وأنه سنةٌ إلهيةٌ لتربية النفوس وتزكيتها، وتمحيصها من الشوائب، ورفع درجاتها في جنات النعيم.

ووفقًا للآيات التي تقدمت، فإن الابتلاء هو المحك الذي يُستخرج به مكنونات النفس، فيظهر ما فيها من طاعةٍ أو عصيان، وذلك بتعريض الإنسان لظروفٍ معينةٍ تتطلب منه موقفًا حاسمًا. فقد يسهل على الإنسان طاعة الله في حال الرخاء، حيث لا توجد دوافع قويةٌ للمعصية، ولكن هذه الطاعة لا تظهر حقيقة إيمانه، ولا تؤثر تأثيراً كبيراً في تربية نفسه. أما إذا مر بظروفٍ تسهل عليه الانسياق وراء الشيطان أو هوى النفس، فهنا تظهر حقيقة إيمانه، ويصبح الابتلاء فرصةً لتربية النفس وتزكيتها.

فنجاح الإنسان في الابتلاء هو نجاحٌ على مستوى الإيمان والعبادة، وقد ضرب الله تعالى لنا مثلاً في نبيه إبراهيم عليه السلام، الذي اجتاز جميع الابتلاءات، من رميه في النار، وأمره بترك عائلته بوادٍ غير ذي زرعٍ، وأمره بذبح ولده إسماعيل عليه السلام، وغيرها من الابتلاءات. فأثابه الله تعالى بأن جعله إمامًا للناس، وهي الرتبة التي لم يكن ليوفق لها لولا نجاحه في تلك الابتلاءات، قال تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلماتٍ فأتمهن قال إني جاعلك للناس إمامًا قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين﴾ البقرة: 124.   

وكذلك ضرب الله تعالى مثلاً في إبليس لعنه الله، الذي فشل في اختبار السجود لآدم عليه السلام، فكان جزاؤه الطرد من رحمة الله والضلال والخسران، قال تعالى: ﴿قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾ البقرة: 33-34. فلولا الابتلاء لما ظهرت حقيقة استكبار إبليس لعنه الله.   

فالابتلاء هو الطريقة التي تخرج مكنونات النفوس من مرحلة القوة إلى مرحلة الفعل، وتظهر حقيقة الإنسان، وتبين مدى استعداده للطاعة أو المعصية.

قد يتبادر إلى ذهنك سؤالٌ هامٌ: إذا كان الله تعالى، كما ذكر في الآية الكريمة، يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم ما تضمره النفوس من إرادة الطاعة أو العصيان، فما فائدة الابتلاء حينئذٍ؟ ألا يكون تحصيلًا للحاصل وعبثًا، والعياذ بالله؟!

والجواب عن ذلك: أن الله تعالى، وإن كان يعلم خفايا النفوس، فهو عالم الغيب والشهادة، إلا أن حسابه لا يعتمد على علمه الغيبي، وإنما على ما يصدر من الإنسان من فعلٍ في الواقع، والذي لا يفعله إلا بتعريضه للابتلاء.

فالله تعالى، بحكمته وعدله، لا يعاقب الناس على ما يضمرونه في أنفسهم، بل يمهلهم ويبتليهم، ليظهروا ما في نفوسهم من خلال أفعالهم في الواقع.فالابتلاء هو الوسيلة التي تمكن الإنسان من التعبير عن إرادته الحقيقية، واختيار طريقه بنفسه.

فالإنسان، في هذه الحياة الدنيا، يخير بين الطاعة والمعصية، والابتلاء هو الفرصة التي تتيح له إثبات صدق نيته، وتحقيق إرادته في اختيار طريق الحق.فإذا صبر واحتسب، فاز برضا الله تعالى، وإن عصى واستكبر، خسر الدنيا والآخرة.

فلا يجوز الظن بالله تعالى العبث، أو أنه يفعل شيئًا بلا حكمةٍ أو غايةٍ، فكل ما يفعله سبحانه هو لحكمةٍ بالغةٍ، وغايةٍ ساميةٍ، تتعلق بمصلحة الإنسان في الدنيا والآخرة.

وخلاصة القول إن الغاية من خلق الإنسان هي تكامله ووصوله إلى مرحلة العبودية الخالصة لله تعالى، وهذه العبودية لا تتحقق إلا بفعل أفعالٍ تدل على الطاعة وترك المعصية، الأمر الذي يتوقف على تعريض الإنسان لمواقف شديدةٍ تعرف بالابتلاءات.

ومن هنا ندرك أن الغاية الأهم عند الله سبحانه هيإبراز وإظهار ما تكنه الأنفس وتنطوي عليه الضمائر،وهو ما لا يتم إلا بالصعوبات والخسائر،وهذهالغاية -التي هي علة وغاية خلق الإنسان- أهم منانتصاره في معركةٍ أو موقفٍ على ظالمٍ، فقديتعرض المؤمن لهزيمةٍ مؤقتةٍ، لكنه ينتصرفيالابتلاء ويفوز في الاختبار.

وقد نبهنا الله تعالى على ذلك في كتابه الكريم، فقال: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريبٌ﴾ البقرة: 214. فالآية الكريمة تنبه على ما تقدم بطريق التساؤل: هل ظننتم أن الإنسان يستحق دخول الجنة بمجرد إيمانه بالعقيدة الحقة، ولم يمحص ويغربل ويتطهر من درن الشرك العملي؟! كيف ظننتم ذلك، وقد مرت الأمم السالفة بأشد أنواع الابتلاءات وتعرضت لمختلف الخسائر والهزائم، حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله؟   

وقال تعالى أيضاً: ﴿وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ آل عمران: 141-142. وهي أصرح مما تقدم.   

وفي صحيحة يعقوب السراج وعلي بن رئابٍ، عن الصادق عليه السلام، قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «والذي بعثه صلى الله عليه بالحق، لتبلبلن بلبلةً، ولتغربلن غربلةً، حتى يعود أسفلكم أعلاكم، وأعلاكم أسفلكم، وليسبقن سباقون كانوا قصروا، وليقصرن سباقون كانوا سبقوا» وغيره من الأخبار قطعية الصدور، الفصيحة في ذلك.

فلا ينبغي للمؤمن أن يجزع من الابتلاءات والصعوبات، بل عليه أن يصبر ويحتسب، ويدرك أنها فرصةٌ لتربية النفس وتزكيتها، وتمحيصها من الشوائب، ورفع درجاتها في جنات النعيم، فالله تعالى، بحكمته البالغة، يعلم أن النفس الإنسانية تخفي مكامن وقدراتٍ كامنةً لا تظهر إلا في أوقات الشدة والضيق. ولذلك، فإن وقوع المؤمن في مثل هذه الحالات من الضعف والانكسار هو جزءٌ من عملية تربيةٍ وتنميةٍ نفسيةٍ وروحيةٍ. فهذه الصعوبات تظهر الجوانب الخفية من نفس المؤمن، وتتيح له معرفة مدى صبره وتوكله، وتكشف له عن نقاط القوة والضعف في إيمانه.

ويأتي الظلم هنا كجزءٍ من هذه التجربة، فهو ليس إهمالاً من الله تعالى، بل اختبارٌ حقيقيٌ ليواجه المؤمن نفسه ويعزز إيمانه بالله وثقته بعدله. قد يشعر المؤمن في لحظات الظلم بأنه وحيدٌ، لكن هذه اللحظات تتيح له الاستغناء عن الدنيا واللجوء إلى الله وحده، مما يزيد من تواضعه واعتماده الكلي على الله، ويجعل قلبه أكثر اتصالًا به وثقةً بنصره.

ففي ظلمة الابتلاء، يتجلى نور الإيمان، وتتضح معالم التوكل على الله، ويزداد المؤمن قوةً وصلابةً، كالشجرة التي تثبت جذورها في الأرض كلما هبت عليها الرياح. فلا يحزن المؤمن إذا ابتلاه الله، بل ليفرح بهذا الاختبار، الذي يقربه من ربه، ويزيده إيمانًا ويقينًا

ختاماً.. ننبه إن المقال لا يدعو لترك تحصيل أسباب القوة، كيف والأمر صريح به، وإنما يدعو لمواجهة حالة الانكسار والشعور بالضعف التي قد يتعرض لها المسلم عند تعرضه لظروف تفوق قدرته، فإن المؤمن حتى في حال تعرضه للظلم قد فاز وانتصر على نفسه بإخضاعها لأمر الله تعالى، وزجرها ولجمها عما حرم.

 

2024/10/28

ما معنى «إمامي».. ثلاثة إطلاقات للمفردة

يقول الفقيه السيد موسى الشبيري الزنجاني -حفظه الله: "لكلمة "إمامي" ثلاث إطلاقات واستعمالات: عام، خاص وأخص.

 

إحدى معاني "إمامي" هو أن يكون الشخص معتقدًا أن الإمامة كالنبوة منصب إلهي، ويجب أن يكون [الإمام] منصوبًا من الله، (في قبال رأي أهل السنة القائلون بأن الإمام يتم اختياره من الناس) وعلى هذا الأساس تكون تمام فرق الشيعة (التي ترى أميرالمؤمنين الخليفة بلا فصل كالزيدية والناووسية والفطحية، والإسماعيلية و..) إمامية بهذا المعنى العام.

 

المعنى الخاص للإمامي هو أن يكون الشخص معتقدًا بإمامة الشخص الذي يعد إمام زمانه وأن يعرفه ومن سبقه من الأئمة. أما معرفة من يأتي بعده من الأئمة فلم تكن واجبا عليه، ولم تكن هذه المسألة في عداد ضرورات الدين في ذلك الزمان.

بل ربما لم تكن معرفة هذا الأمر متيسرة؛ لأن مسألة الاعتقاد بآحاد أئمة الشيعة كانت تدريجية (لا دفعية) وكانت طريقة الشيعة بعد وفاة كل إمام التحقيق والبحث والسؤال عن هذا الأمر (كما فعل زرارة -مثلا- حين أرسل ابنه إلى الإمام ليحقق ويعرف الإمام اللاحق عنده) ومن باب المثال إمامة أمير المؤمنين -عليه السلاما في زمان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قبل غدير خم كان يعلمها الخواص كسلمان، وفي زمانه [=أميرالمؤمنين] كان يجب على الناس أن يعرفوه كإمام.

فما يرد في تنقيح المقال مثلا "إمامي مجهول" فالمراد منه الإمامي بالمعنى الخاص له.

 

وأما المعنى الأخص فهو الإثنى عشري، والفرق بين هذا المعنى وبين المعنى الخاص للإمامي هو أن مصداق الإمامي [الأخص] من الممكن ألا يكون في زمان ما (كزمان الإمام الصادق -عليه السلام-) كزرارة في زمانه لم يكن إماميا اثنى عشريا ولكنه كان إماميا بالمعنى الخاص.  ..

 

وفي زمان الأئمة كانت عقائد أكثر الأصحاب بإمامة الأئمة -عليهم السلام- من النوع الثاني؛ لأن الأخبار الكثيرة في إمامة الاثني عشر إمام لم تكن متاحة للجميع، بل ربما كانت مخفية، كما نرى أن عصمة الإمام لم يكن يعتقد بها الكثير من الأصحاب، بل كانوا يعرفون الإمام كعالم تجب طاعته، لا أنه معصوم من الخطأ والذنب، فكان خواص الأصحاب يعتقدون بهذا الأمر [=العصمة].

الآن بعد جمع الأحاديث والإحاطة بها، فأمور كالعصمة أو الإمامة بمعنى الاعتقاد بالإثني عشر أو رفض القياس أضحت من الضرورات".

 

مترجم من دروس خارج خمس، ج2 ص 618-616، [مرکز فقهی امام محمد باقر علیه السلام وابسته به دفتر آیه الله العظمی شبیری زنجانی، قم المقدسة].

 
2024/10/12

هداية الناس أم الحكم.. ما هو هدف الأنبياء؟!
هل تقتصر مهمة الأنبياء على إصلاح البشر وهدايتهم جميعًا؟ قد يبدو الجواب مفاجئًا، لكن الحقيقة أن الإجابة هي "لا". فذلك يناقض طبيعة البشر وسننهم. إن الاختلاف ومعارضة الحق واتباع الهوى جزء من السلوك الإنساني، كما قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ..)، هود: 119. وأكد الله عز وجل على قلة المهتدين وشيوع الضلال في قوله تعالى: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)، يوسف: 103، وقوله أيضاً: (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)، يس: 7. وهذه الآيات، وغيرها، تشير بوضوح إلى أن الضلال هو السائد، وأن الإيمان نادر، وهي سنة ثابتة في حياة البشر.

[اشترك]

لا يمكن أن نأمل في هداية الجميع، ولهذا واسى الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في مواضع عديدة من القرآن لشدة حزنه على من أصروا على الكفر. قال تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)، الكهف: 6، وقال أيضاً: (..فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)، فاطر: 8.

ولم يكن الإسلام ولا نبيه صلى الله عليه وآله وسلم استثناءً من هذه السنة، بل أكد النبي الكريم هذه الحقيقة من خلال أحاديث عديدة، منها إخباره عن افتراق أمته على سبع وثلاثين فرقة، وأنهم سيتبعون سنن الأمم السابقة خطوة بخطوة، وأن كثيرًا من أصحابه سيُبعدون عن الحوض لارتدادهم القهقرى... وغيرها من الأخبار التي تدل على انتشار الفتن وانحراف بعض الأمة.

إذاً، إن لم تكن مهمة الأنبياء هداية كل البشر، فما هي إذن؟ إن الغاية العظمى للأنبياء وهدف رسالاتهم يتجلى في تبليغ ما أنزل الله عليهم من الوحي، وبيان معالم الدين بوضوح جلي، كما قال تعالى: (..لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ)، الأنفال: 42. فالأنبياء لا يملكون إلا أن يؤدوا الرسالة، كما قال الله تعالى: (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)، النحل: 35، وأكد في قوله: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)، النور: 54. كما قال جل شأنه على لسان رسله: (وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)، يس: 17.

فالأنبياء، رغم أنهم بذلوا جهودهم في هداية الناس وسلكوا طرق النصح والموعظة والجدال بالحسنى، وضحوا بحياتهم من أجل ذلك، إلا أن مهمتهم الأساسية لا تتمثل في هداية الجميع. بل، إن دعوتهم تتوقف عند تبليغ الرسالة بوضوح، فلا يُجبر أحد على الإيمان، وهي ليست وظيفة الأنبياء فحسب، بل يُكلف كل إنسان بهذه المهمة النبيلة، كما جاء في قوله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، فصلت: 33. وأيضاً في قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، النحل: 125.

إنما يُطلب من الأنبياء والمؤمنين جميعاً أن يدعوا إلى الحق بصدق، بقلوب مخلصة وبأسلوب حكيم، فيما تبقى الهداية المطلقة بيد الله وحده، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهو الأعلم بمن استحق الهداية ومن أصر على الضلال.

ومع أن الأنبياء قد تحملوا مسؤوليات عظيمة، إلا أن إقامة دولة عادلة لم تكن المهمة الأساسية التي بُعثوا من أجلها. كما أن سعيهم لهداية البشر كافة ليس هو الغاية المطلقة من رسالتهم. النصوص الدينية تخبرنا أنهم عليهم السلام لم يسعوا إلى إقامة دولة أو حكم إلا عندما توفرت الشروط الضرورية لذلك، ومنها وجود عدد كافٍ من الأنصار. وقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام إلى هذا الأمر بوضوح في قوله: «أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها..». نهج البلاغة: ج1، ص26.

ومع ذلك، فإن هذه المسؤوليات، كإقامة دولة عادلة أو هداية البشرية جميعها، تتوقف على توفر الظروف الملائمة، وليست هي الوظيفة الأساسية التي أرسلوا لأجلها. فمهمة الأنبياء تظل، في جوهرها، هي تبليغ رسالات ربهم وبيان الحق للبشرية.

وهذا يتسق مع ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام حين قال: «لما حضر النبي صلى الله عليه وآله الوفاة نزل جبرائيل عليه السلام فقال له: يا رسول الله، هل لك في الرجوع؟ قال: لا، قد بلغت رسالات ربي. ثم قال له: يا رسول الله أتريد الرجوع إلى الدنيا؟ قال: لا، بل الرفيق الأعلى...». أمالي الشيخ المفيد، ص53.

هكذا يتضح لنا أن دور الأنبياء الرئيسي يكمن في أداء رسالتهم السماوية بصدق وإخلاص، وليس في بناء الدول أو تحقيق الهداية الشاملة، إذ إن هذه الأمور تأتي وفقاً لشروط وأسباب تختلف عن تلك التي تتعلق بمهمتهم الجوهرية.

من هذا المنطلق الجوهري، يمكننا أن نقترب بفهم أعمق للعديد من المسائل المهمة. إحدى هذه المسائل تتعلق بتقييم نجاح الأنبياء والرسل وأوصيائهم الأئمة عليهم السلام. فقد يظن البعض أن الأنبياء لم يحققوا النجاح المطلوب، لأن غالبية الناس رفضوا دعوتهم وابتعدوا عن الحق. لكن الرد على ذلك يأتي مما سبق، وهو أن الأنبياء عليهم السلام لم تكن مهمتهم هداية الجميع، بل كان دورهم مقتصراً على تبليغ رسالات الله سبحانه وتعالى، بصدق وأمانة، سواء استجاب الناس أم لا. فهذه المهمة، بنجاحها أو عدمه، لا تُقاس بعدد المهتدين، وإنما بتأدية واجب البلاغ كما أمرهم الله.

ومن هذه الفكرة أيضاً يمكننا استخدام هذا الأصل كمعيار لفهم غاية الإمام الحسين عليه السلام في نهضته، وكذلك لفهم مسار حركة الأئمة عليهم السلام بشكل عام. فلم تكن غايتهم إقامة حكومة أو تأسيس دولة بحد ذاتها، بل إن هذه المسألة كانت مرتبطة بشرط أساسي وهو "وجود الناصر" من حيث العدد والعدة الكافيين. إن عدم تحقق هذا الشرط لا يلغي من عظمة دورهم، بل يؤكد أن مهمتهم الرئيسية كانت دائماً الدعوة إلى الحق والقيام بما يُمليه عليهم واجبهم الرباني، في كل ظرف وزمان.

إن هذه النظرة تُعيد تشكيل فهمنا للتاريخ النبوي والإمامي، وتوجهنا نحو تقدير الجهد الجوهري الذي قاموا به، بعيداً عن النتائج الدنيوية الظاهرة التي قد يراها البعض معياراً للنجاح أو الفشل.

2024/09/13